تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم المعاني — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
تخصيصا لحالة التبكير بالخروج دون غيرها من الحالات ، وذلك بخلاف قولك : « خرجت إلى عملي مبكرا » لأنك في تقديمك الفعل تكون بالخيار في إيقاعه مقيدا بأي حالة شئت ، بأن تقول : خرجت إلى عملي متأخرا أو مسرعا أو مسرورا أو غير ذلك . وكذلك يجري الأمر في بقية متعلقات الفعل . * * * وعلماء البلاغة ومنهم الزمخشري يرون أن تقديم متعلقات الفعل عليه على النحو السابق إنما هو للاختصاص . ولكن ابن الأثير يرى أن تقديم متعلقات الفعل عليه يكون لواحد من غرضين : أحدهما الاختصاص ، والآخر مراعاة نظم الكلام ، وذاك أن يكون نظمه لا يحسن إلا بالتقديم وإذا أخر المقدم زال ذلك الحسن ، وهذا الوجه عنده أبلغ وأوكد من الاختصاص . فمن الأول عنده وهو التقديم الذي يكون الغرض البلاغي منه « الاختصاص » قوله تعالى
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
. فإنه إنما قيل :
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
ولم يقل : « بل اعبد اللّه » لأن المفعول وهو لفظ الجلالة « اللّه » إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره . ولو قال : « بل اعبد » لجاز وقوع فعل العبادة على أي مفعول شاء . ومن الثاني وهو التقديم الذي يكون الغرض البلاغي منه مراعاة نظم الكلام قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
ويرى الزمخشري أن التقديم في هذا الموضوع قصد به الاختصاص ، ولكن ابن الأثير يرى أن المفعول لم يقدم على الفعل للاختصاص وإنما قدم لمكان نظم الكلام ، لأنه لو قال : « نعبدك ونستعينك » لم يكن له ما لقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. ألا ترى أنه تقدم قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ،
فجاء بعد ذلك قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ،
وذلك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو على حرف النون .