الكناية في البيت الثاني « بين عينيك يا صبية شجو » فهي من النوع الأول الذي عدل فيه عن نسبة صفة الشجو أي الحزن إلى الموصوف مباشرة ونسبتها إلى ما له اتصال به ، وهو هنا « العينان » .
وإذا رجعنا إلى أمثلة الكناية السابقة في جميع أقسامها وأنواعها رأينا أن منها ما يدل على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز ، أو بعبارة أخرى رأينا أن منها ما يجوز فيه إرادة المعنى الحقيقي الذي يفهم من صريح اللفظ ، ومنها ما لا يجوز فيه ذلك .
بين الكناية والتعريض
لعل ضياء الدين ابن الأثير أوضح من بحث أسلوبي الكناية والتعريض وفرّق بينهما .
ففي مستهل حديثه عنهما في كتابه المثل السائر يقول : « هذا النوع مقصور على الميل مع المعنى وترك اللفظ جانبا . وقد تكلم علماء البيان فيه فوجدتهم قد خلطوا الكناية بالتعريض ولم يفرقوا بينهما ، ولا حدوا كلا منهما بحد يفصله عن صاحبه ، بل أوردوا لهما أمثلة من النثر والنظم وأدخلوا أحدهما في الآخر ، فذكروا للكناية أمثلة من التعريض وللتعريض أمثلة من الكناية ، فمن فعل ذلك الغانمي وابن سنان الخفاجي والعسكري » .
وفي محاولة لتحديد مفهوم « الكناية » فرق ابن الأثير بينها وبين غيرها من أقسام المجاز بقوله : « إن الكناية إذا وردت تجاذبها جانبا حقيقة ومجاز ، وجاز حملها على الجانبين معا .
ألا ترى أن اللمس في قوله تعالى :
أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ *
يجوز حمله على الحقيقة والمجاز ، وكل منهما يصح به المعنى ولا يختل ؟ ولهذا ذهب