الاستطراد :
اطّرد الشيء : تبع بعضه بعضا وجرى ، واطّردت الأشياء إذا تبع بعضها بعضا ، واطّرد الكلام إذا تتابع « 1 » .
والاستطراد عند الجاحظ هو الانتقال من موضوع إلى آخر لكي لا يمل القارئ أو السامع ، وهذا واضح في معظم مؤلفاته .
والاستطراد عند ثعلب هو حسن الخروج « 2 » ، وكذلك عند تلميذه ابن المعتز « 3 » ، وقيل إنّ أوّل من ابتدع هذا الأسلوب السموأل في قوله :
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة * إذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا * وتكرهه آجالهم فتطول
فكان هذا أول شاهد ورد في هذا النوع وسار مسير الأمثال ، قال ابن رشيق : « وهو أول من نطق به » « 4 » ، وقال المصري : « وأحسب أنّ أول من استطرد بالهجاء السموأل » « 5 » . وقيل إنّ البحتري الشاعر نقل هذه التسمية عن أبي تمام ، قال الصولي : « حدثني أبو الحسن علي بن محمد الأنباري ، قال : سمعت البحتري يقول : أنشدني أبو تمام لنفسه :
وسابح هطل التعداء هتّان * على الجراء أمين غير خوّان
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه * فخلّ عينيك في ظمآن ريّان
فلو تراه مشيحا والحصى زيم * بين السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت أن لم تثبت أنّ حافره * من صخر تدمر أو من وجه عثمان
ثم قال لي : ما هذا الشعر ؟ قلت : لا أدري . قال : هذا المستطرد ؛ أو قال : الاستطراد . قلت : وما معنى ذلك ؟
قال : يرى أنه يريد وصف الفرس وهو يريد هجاء عثمان ، فاحتذى هذا البحتري فقال في قصيدته التي مدح فيها محمد بن علي القمي ويصف الفرس أولها :
أهلا بذلكم الخيال المقبل * فعل الذي نهواه أو لم يفعل
ثم وصف الفرس فقال :
وأغرّ في الزمن البهيم محجل * قد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنيّ إلا أنّه * في الحسن جاء كصورة في هيكل
يهوي كما تهوي العقاب إذا رأت * صيدا وينتصب انتصاب الأجدل
متوجس برقيقتين كأنّما * يريان من ورق عليه موصّل
وكأنما نفضت عليه صبغها * صهباء للبردان أو قطر بّل
ملك العيون فان بدا أعطيته * نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردته * يوما خلائق حمدويه الأحول » « 6 »
وعلّق الآمدي على بعض حسن الخروج عند الشعراء
هامش
( 1 ) اللسان ( طرد ) .
( 2 ) قواعد الشعر ص 50 .
( 3 ) البديع ص 60 .
( 4 ) العمدة ج 2 ص 39 ، وينظر المنزع البديع ص 457 ، كفاية الطالب ص 186 .
( 5 ) تحرير التحبير ص 132 ، وينظر بديع القرآن ص 49 .
( 6 ) أخبار أبي تمام ص 68 ، أخبار البحتري ص 59 ، حلية المحاضرة ج 1 ص 163 ، إعجاز القرآن ص 158 ، زهر الآداب ج 4 ص 1041 ، البديع في نقد الشعر ص 75 ، حسن التوسل ص 227 ، نهاية الإرب ج 7 ص 119 ، أنوار الربيع ج 1 ص 228 . وينظر المنصف ص 73 ، والأغاني ج 21 ص 48 .