وقد أجمع البلاغيون الآخرون « 1 » على هذا المعنى ، وعلى أن تكون الألفاظ لائقة بالمعنى المقصود ومناسبة له . فإذا كان المعنى فخما كان اللفظ الموضوع له جزلا ، وإذا كان المعنى رشيقا كان اللفظ رقيقا ، وإذا كان غريبا كان اللفظ غريبا ، وإذا كان متداولا كان اللفظ مألوفا .
ومثاله قوله تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
« 2 » فعدل سبحانه عن الطين الذي أخبر في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه خلق آدم منه ، منها قوله :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ
« 3 » وقوله حكاية عن إبليس :
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *
« 4 » فعدل - عزّ وجلّ - عن ذكر الطين الذي هو مجموع التراب والماء إلى ذكر مجرد التراب ؛ لأنّه أدنى العنصرين وأكثفهما لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية بما يصغر أمر خلقه عند من ادّعى ذلك ، فلهذا كان الاتيان بلفظة التراب أمتن بالمعنى من غيرها من العناصر ، ولو كان موضعه غيره لكان اللفظ غير مؤتلف بالمعنى المقصود . ولما أراد - سبحانه - الامتنان على بني إسرائيل بعيسى - عليه السّلام - أخبرهم عنه أنه يخلق لهم من الطين كهيئة الطير تعظيما لأمر ما يخلقه باذنه ، إذ كان المعنى المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به . ومن طريف ما يتصل بهذا الفن ما جاء عن بشار فقد قيل له : إنّك لتجيء بالشيء المتفاوت ، قال : وما ذاك ؟ قيل : بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك :
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة * هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة * ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
تقول :
ربابة ربّة البيت * تصبّ الخلّ في الزيت
لها عشر دجاجات * وديك حسن الصّوت
فقال : لكل شيء وجه وموضع ، فالقول الأول جد ، وهذا قلته في جاريتي ربابة « 5 » . ومن ذلك قول زهير :
أثافيّ سفعا في معرّس مرجل * ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم « 6 »
فلما عرفت الدار قلت لربعها * ألا أنعم صباحا أيّها الرّبع واسلم
فإنه لما قصد إلى تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى عربي لكن المعنى غريب ، ركبّه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال ، ولما قصد في البيت الثاني إلى معنى أبين من الأول وأعرف وإن كان غريبا ركّبه من ألفاظ مستعملة معروفة .
ومن هذا الباب ملاءمة الألفاظ في نظم الكلام على مقتضى المعنى لا من مجرد جملة اللفظ ، فان الائتلاف من جهة ما تقدم من ملاءمة الغريب للغريب والمستعمل للمستعمل لا من جهة المعنى ، بل ذلك من جهة اللفظ . وأما الذي من جهة المعنى فقوله تعالى :
وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
« 7 » ، فإنه - سبحانه - لما نهى عن الركون
هامش
( 1 ) ينظر المصباح ص 113 ، وخزانة الأدب ص 437 ، الاتقان ج 2 ص 88 ، أنوار الربيع ج 6 ص 217 ، نفحات ص 332 ، شرح الكافية ص 183 .
( 2 ) آل عمران 59 .
( 3 ) ص 71 .
( 4 ) ص 76 .
( 5 ) الأغاني ج 3 ص 162 ، أنوار الربيع ج 6 ص 218 .
( 6 ) الأثافي ؛ ما توضع عليه القدر وهي أحجار .
السفع ؛ السود . المرجل ؛ القدر . النؤي ؛ ما يحفر حول الخيمة ليمنع السيل . جذم الحوض ؛ أصله . يتثلم ؛ يتكسر .
( 7 ) هود 113 .