فالواحد من هؤلاء في طبقة من الجهل لا تدرك بالمقياس ولم يهتد إليها « 1 » الخليل حين طبّق الناس .
أخبرنا محمد بن يحيى بن العباس « 2 » قال : حدّثنا أبو أحمد محمد بن موسى البربري « 3 » قال : حدّثنا الزبير بن بكار « 4 » قال : حدّثنا النضر بن شميل قال : سمعت الخليل يقول : من الناس من يدري أنه يدري فذاك عالم فاتّبعوه ، ومنهم من يدري ولا يدري أنه يدري فذاك ضالّ فأرشدوه ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك طالب فعلموه ، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك جاهل فاحذروه .
ولقد بلغني عن بعض من يختص بهذا العلم ويرويه ، ويزعم أنه يتقنه ويدريه ، أنه أسند « 5 » شيئا فقال : « عن الفرّاء عن المازنيّ » ، فظن أن الفراء الذي كان هو بإزاء الأخفش كان يروي عن المازني ! .
وحدّثت عن آخر أنه روى مناظرة جرت بين ابن الأعرابي والأصمعي ، وهما ما اجتمعا قط « 6 » ، وابن الأعرابي بإزاء غلمان الأصمعي ، وإنما كان يرد
هامش
- منهما أن يبراه ؛ ففعل ذلك نعيم بن مسعود ، ورمى الحصين بن أبي الحر بكتاب أبي الأسود وراء ظهره ؛ فعاد الرجل فأخبره ؛ فقال أبو الأسود للحصين :حسبت كتابي إذ أتاك تعرّضا * لسيبك لم يذهب رجائي هنالكا
وخبّرني من كنت أرسلت أنّما * أخذت كتابي معرضا بشمالكا
نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا
نعيم بن مسعود أحقّ بما أتى * وأنت بما تأتي حقيق بذالكا
يصيب وما يدري ، ويخطي وما درى * وكيف يكون النّوك إلّا كذلكا !( وانظر الأغاني 12 / 307 ) .
( 1 ) خ : « إليه » .
( 2 ) هو محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن العباس بن محمد بن صول المعروف بأبي بكر الصولي ؛ شيخ المؤلف ، اشتهر بالرواية والحفظ ؛ ودوّن أخبار الوزراء والكتّاب والشعراء والرؤساء ؛ توفي سنة 335 . ( وانظر إنباه الرواة 3 / 233 - 236 ، وتاريخ بغداد 3 / 427 - 432 ) .
( 3 ) هو محمد بن محمد بن موسى بن حماد أبو أحمد المعروف بالبربري ؛ توفي سنة 294 . ( وانظر تاريخ بغداد 3 / 243 ) .
( 4 ) هو الزبير بن بكار بن عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام صاحب كتاب نسب قريش . توفي سنة 256 . ( اللباب 1 / 496 ) .
( 5 ) يقال : أسند الحديث إذا رفعه .
( 6 ) كذا ذكر في الأصل ، وفيه نظر ، فقد ذكر الزبيدي عن الفضل بن سعيد بن سلم أنه قال « كان ابن الأعرابي يؤدبنا في أيام أبي سعيد بن سلم ، فكان الأصمعي يأتينا مواصلا فيناظره ابن -