هامش
- فإن قلت : ولم نظرت أولا إلى مضارع الثلاثي ، وأعطيته ما يناسبه ، قبل الرباعي والخماسي والسداسي ؟
فالجواب : لأن هذا هو ما يفرضه المنطق ، أن تبدأ من الأقل أحرفا ، الأخف لفظا ، الأكثر استعمالا ، وهو الثلاثي ، ثم تنتقل إلى ما يليه .
فإن قلت : ولم كانت الفتحة لحرف المضارعة من الثلاثي هي الأنسب ؟
فالجواب : أما وقد امتنع السكون لتعذر الابتداء به بقي الفتح ، أو الضم ، أو الكسر ، فاختاروا الفتحة ؛ لأن الثلاثي قد خف على ألسنتهم ، وكثر استعماله ، بخلاف الرباعي ، فاختاروا له من الحركات ما كان وصفه كذلك ، أقصد أخف وأكثر استعمالا ، وهي الفتحة ، فهي أخف من الضمة وأكثر استعمالا ، فحصل بهذا التناسب والتوافق .
وضرب آخر من التوافق حاصل بهذا ، وهو إعطاء الأخف من الأفعال ، وهو الثلاثي ، الأخف من الحركات ، وهي الفتحة ، والرباعي لأنه الأثقل أعطي حركة أثقل من الفتحة ، وهي الضمة .
وبالمخالفة بين حركتي أول مضارع الثلاثي والرباعي حصل التنبيه على خفة الأول وثقل الثاني .
فإن قلت : فلم إذن خالف ما هو الأصل من لغته كسر حرف المضارعة ، فيقول : أنا إعلم ، وأنت تعلم ، ونحن نعلم ؟
فالجواب : إن الذين كسروا حرف المضارعة أرادوا أن يدلوا على أن الفعل الماضي مكسور العين ، فلما أرادوا أن يدلوا على هذا لم يخل أن يكسروا حرف المضارعة ، أو فاء الفعل أو عينه ، أو لامه ، ولم يجز أن يكسروا لامه لأنه حرف الإعرب ، ولو ألزموا اللام الكسر لبطل أن يدخلها إعراب ، ولم يجز أن يكسروا عينه لأن بحركة العين يفصل بين الأبنية من يفعل ويفعل ويفعل ، فلو ألزموا العين الكسر لبطل هذا الفرق ، ولم يجز أن يكسروا فاء الفعل ؛ لأن العرب ألزموها السكون لئلا يتوالى في اللفظ أربع حركات ليس بينها حاجز في اللفظ ولا في التقدير ، فلو كسروا الفاء ، والكسرة حركة ، توالت المتحركات ، وحصل الثقل ، وهو ما هربوا منه أولا ، فلم يبق إلا حرف المضارعة فكسروه .
وإن قلت : ولم ضموا حرف المضارعة من الرباعي دون الخماسي والسداسي ؟
فالجواب : إنما فعلوا ذلك لأمور :
أولها : لأن الفتحة قد غلب عليها الثلاثي للأمور التي ذكرتها قبل .
وثانيها وثالثها : هما ما ذكره ابن مالك هنا .
وإن قيل : قد عرفنا لم خالفوا الفتحة ، فلم عدلوا إلى الضمة دون الكسرة ؟
فالجواب : لم يعدلوا إلى الكسرة لئلا يلتبس بلغة الذين يكسرون حرف المضارعة ، فخلصت له بهذا الضمة دون غيرها .
فإن قيل : فالخماسي والسداسي أقل من الرباعي وأثقل ، وقد عللت أنت للضم في الرباعي في جملة ما عللت به ثقله وخفة الثلاثي ، فلم لم يضم في الخماسي والسداسي ؟
فالجواب : إنما جاءا بالفتح لأمور :
أولها : أن الفتح هو الأصل ، وما جاء على الأصل لا يسأل عن علته . -