الفصل الأول البصرة واضعة النحو
1 أسباب وضع النحو
يمكن أن نردّ أسباب وضع النحو العربي إلى بواعث مختلفة ، منها الديني ومنها غير الديني ، أما البواعث الدينية فترجع إلى الحرص الشديد على أداء نصوص الذكر الحكيم أداء فصيحا سليما إلى أبعد حدود السلامة والفصاحة ، وخاصة بعد أن أخذ اللحن يشيع على الألسنة ، وكان قد أخذ في الظهور منذ حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد روى بعض الرواة أنه سمع رجلا يلحن في كلامه ، فقال : « أرشدوا أخاكم فإنه قد ضلّ » « 1 » ورووا أن أحد ولاة عمر بن الخطاب كتب إليه كتابا به بعض اللحن ، فكتب إليه عمر : « أن قنّع كاتبك سوطا » « 2 » .
غير أن اللحن في صدر الإسلام كان لا يزال قليلا بل نادرا ، وكلما تقدمنا منحدرين مع الزمن اتسع شيوعه على الألسنة ، وخاصة بعد تعرب الشعوب المغلوبة التي كانت تحتفظ ألسنتها بكثير من عاداتها اللغوية ، مما فسح للتحريف في عربيتهم التي كانوا ينطقون بها ، كما فسح للحن وشيوعه . ونفس نازلة العرب في الأمصار الإسلامية أخذت سلائقهم تضعف لبعدهم عن ينابيع اللغة الفصيحة ، حتى عند بلغائهم وخطبائهم المفوّهين ، ويكفى أن نضرب مثلا لذلك ما يروى عن الحجاج من أنه سأل يحيى بن يعمر هل يلحن في بعض نطقه ؟ وسؤاله ذاته يدلّ على ما استقر في نفسه من أن اللحن أصبح بلاء عامّا ، وصارحه يحيى بأنه
هامش
( 1 ) كنز العمال 1 / 151 .
( 2 ) الخصائص لابن جنى ( طبعة دار الكتب المصرية ) 2 / 8 .