تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
. . . . .
شرح
- وبدا : أي ظهر ، والليل داج : أي مظلم . والاستشهاد بالبيت في قوله « وأبيض من ماء الحديد » فإن « أبيض » في هذه العبارة ليس أفعل تفضيل ، لكنه صفة مشبهة ، و « من » التالية له ليست من التي تدخل على المفضول في نحو قولك : فلان أكرم خلقا من فلان ، وأشرف نفسا منه ، وأطهر قلبا منه ، وما أشبه ذلك ، وعلى ذلك لا تكون « من » هذه متعلقة بأبيض ، بل هي متعلقة بمحذوف يقع صفة لأبيض ، وكأنه قد قال : وأبيض كائن من ماء الحديد ، أي مأخوذ ومصنوع من ماء الحديد ، والكلام في وصف سيف ، وإذا كان لفظ « أبيض » يأتي صفة مشبهة كما في هذا البيت وفي الشاهد الذي يليه فإنه لا يمتنع أن يكون أبيض في قول الراجز :* أبيض من أخت بني أباض *وفي البيت المنسوب إلى طرفة :* . . . أبيضهم سربال طباخ *وأسود في قول المتنبي الذي أنشدناه لك :* . . . أسود في عيني من الظلم *صفة مشبهة أيضا ، وكأن المتنبي قد قال : لأنت مسود في عيني ، ولأنت من الظلم ؛ وكأن طرفة قد قال : أنت مبيضهم سربال طباخ ، وكأن الراجز قد قال : جسد مبيض كائن من أخت بني أباض ، وقد اتفق مع المؤلف على هذا التخريج ابن يعيش والشريف المرتضى والحريري في درة الغواص ، وكلهم تابعون لابن جني . ويقول أبو رجاء : إنه ليس من المنكر أن يجيء وزن أفعل من البياض والسواد وغيرهما من الألوان ومن غير الألوان صفة مشبهة ، نقول : فلان أبيض اللون ، وفلان أسود ، أو أخضر ، أو أصفر ، وتقول : فلان أهيف البطن . وفلان أجب الظهر ، وفلان أوحد دهره ، وما لا يحصى من المثل ، ومن ذلك قول أبي الطيب المتنبي أيضا :يلقاك مرتديا بأحمر من دم * ذهبت بخضرته الطلى والأكبدومن ذلك قول أبي تمام :له منظر في العين أبيض ناصع * ولكنه في القلب أسود أسفعوقد قال المفسرون في قوله تعالى :وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ :إن « أهون » في هذه الآية بمعنى هين ، كما قالوا في قول معن بن أوس :لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أينا تغدو المنية أولإن « أوجل » هنا صفة مشبهة وليست أفعل تفضيل ، أقول : نحن لا ننكر أن هذا الوزن يأتي صفة مشبهة خالية من معنى تفضيل شيء على شيء ، كما لا ننكر أن من هذه البابة قول الشاعر :* وأبيض من ماء الحديد كأنه *وما معه من الأبيات ، لكنا لا نستطيع أن نستسيغ أن يكون من هذه البابة قول الراجز :* أبيض من أخت بني أباض *مع قول الرواة الموثوق بهم : إن نساء بني أباض مشهورات ببياض ألوانهن ؛ وعلى هذا يكون هذا الجواب غير مستقيم ، ولو كان القائل به ابن جني ومن تبعه من فحولة النحاة .