تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وإذا جاء التصحيح في هذه الأفعال المتصرفة تنبيها على الأصل مع بعدها عن الاسم فما ظنك بالفعل الجامد الذي لا يتصرف ؟ فإن قالوا : التصحيح في هذه الأفعال إنما جاء عن طريق الشّذوذ ، وتصحيح أفعل في التعجب قياس مطرد . قلنا : قد جاء التصحيح في الفعل المتصرف على غير طريق الشّذوذ ، وذلك نحو تصحيح « حول ، وعور ، وصيد » حملا على « احولّ ، واعورّ ، واصيدّ » وكذلك جاء [ 67 ] التصحيح أيضا في قولهم « اجتوروا ، واعتونوا » حملا على « تجاوروا ، وتعاونوا » فكذلك أيضا هاهنا : حمل « ما أقومه وما أبيعه » على « هذا أقوم منك ، وأبيع منك » ومع هذا فلا ينبغي أن تحكموا له بالاسمية لتصحيحه ؛ لأن أفعل به قد جاء مصححا وهو فعل ، كما أن التصحيح في قولهم « أقوم به ، وأبيع به » لا يخرجه عن كونه فعلا ، فكذلك التصحيح في ما أفعله لا يخرجه عن كونه فعلا . وأما قولهم « لو كان التقدير فيه شيء أحسن زيدا لوجب أن يكون التقدير في قولنا ما أعظم اللّه شيء أعظم اللّه ، واللّه تعالى عظيم لا بجعل جاعل » قلنا : معنى
شرح
- ص 164 » . والاستشهاد بالبيت هنا في قوله « أطولت » حيث صحت عين الفعل مع أن قياس نظائرها أن تعتل بقلبها ألفا ثم تحذف الألف عند الاتصال بالضمائر المتحركة ، في لغة جمهرة العرب ، على ما بيّنّا ، وقد أتى الشاعر بهذا الفعل على أصله من غير أن يقلب أو يحذف ، والعلماء يختلفون في هذا وأشباهه ؛ فمنهم من يقول : هو شاذ يحفظ ما سمع منه ولا يقاس عليه ، ومنهم من يقول : هو لغة لجماعة من العرب ، يجوز القياس عليها ، وفي قول الشاعر « وقلما وصال - الخ » شاهد آخر للنحاة ، وذلك حيث اتصلت « ما » بقل ، واعلم أولا أن « ما » هذه تتصل بثلاثة أفعال - وهي : قل ، وطال ، وكثر - تقول : قلما كان ذلك ، وطالما نهيتك عن الشر ، وكثر ما أرشدتك ، هذا هو الأصل ، نعني أنه إذا اتصلت « ما » بواحد من هذه الأفعال الثلاثة كفّته عن طلب الفاعل ووليه الفعل ، وربما وليه الاسم المرفوع كما في هذا البيت ، وللعلماء في ذلك الأسلوب أربعة أقوال : الأول : أن « ما » كافة على أصلها ولا يحتاج الفعل المقترن بها إلى فاعل ، والاسم المرفوع بعدها مبتدأ خبره ما بعده ، وهذا هو ما ذهب إليه سيبويه ، وجعل ذلك من ضرورات الشعر ، والثاني : أن « ما » هذه زائدة لا كافة ، والاسم المرفوع بعدها فاعل ، وكأن الشاعر قد قال : وقل وصال يدوم على طول الصدود ، والثالث : أن « ما » كافة أيضا ، والاسم المرفوع بعدها فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل الآخر ، وكأنه قد قال : قلما يدوم وصال على طول الصدود ، وهو مذهب ذهب إليه الأعلم الشنتمري ، والرابع : أن « ما » حينئذ كافة أيضا ، والاسم المرفوع بعدها فاعل بنفس الفعل المتأخر ، وهذا مذهب كوفي ؛ لأنهم هم الذين يجوزون تقدم الفاعل على ما هو معلوم .