وقد استفيد من التمثيل بالآيتين أن الاستحضار بالمضارع يكون في الماضي ، والمستقبل ، لكن قيل إن استحضار المستقبل لم يوجد في كلامهم ، وعليه يكون الاستحضار في الآية بعد تنزيل المستقبل منزلة الماضي ليجرى الاستحضار على ما تحقق من كونه مختصا بالمضي ، ثم أشار إلى سر تنكير المسند فقال :
تنكير المسند
( وأما تنكيره ) أي : وأما الإتيان بالمسند منكرا ( ف ) يكون ( لإرادة ) إفادة ( عدم الحصر والعهد ) حيث يقتضى المقام ذلك العدم ، وذلك لأن الحصر والعهد يستفادان من التعريف ، فيستفاد من التنكير عدمهما ، والتعريف ولو كان قد يجامع عدم الحصر والعهد كما في قوله :
رأيت بكاءك الحسن الجميلا " 1 "
إذ لا يراد هنا به أحدهما لا يساق لإفادة عدمهما بل يتفق العدم معه ، فإن إفادته في الأصل بالتنكير ، وذلك ( كقولك : زيد كاتب ، وعمرو شاعر ) حيث يراد إفادة الإخبار بمجرد الكتابة ، والشعر ، لا حصر الكتابة في زيد ، والشعر في عمرو ، ولا أحدهما معهودا . ( أو للتفخيم ) أي : يكون تنكير المسند للإرادة المذكورة ، ويكون للتفخيم أي : التعظيم ( نحو ) قوله تعالى
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
" 2 " بناء على أنه خبر ذلك الكتاب ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو هدى للمتقين ، فالتنكير للدلالة على فخامة هداية الكتاب ، وكمالها ، وقد أكد ذلك التفخيم بكونه مصدر مخبرا به عن الكتاب المفيد ، أنه نفس الهداية مبالغة ، وأما إن أعرب حالا فهو خارج عن الباب ، ولو كان التنكير فيه للتفخيم - أيضا ، ( أو للتحقير ) أي : يكون التنكير لما ذكر ، أو للتحقير كقولك : الحاصل لي من هذا المال شيء ، أي : حقير ، وقد مثل بقول القائل : ما زيد شيئا ، والظاهر أن التحقير فيه لم يستفد من التنكير ، بل من نفى الشيئية .
هامش
( 1 ) عجز بيت ، وصدره :إذا قبح البكاء على قتيلوهو للخنساء في بكاء أخيها صخر في ديوانها ص 226 - طبعة المكتبة الكاثوليكية ببيروت ، ولسان العرب ( بكا ) وتاج العروس ( بكا ) .
( 2 ) البقرة : 2 .