تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
ويفهم من كون الوصية مبنية على الاجتناب عن إشمام أن وجه الشبه الخفي لا يوجب كون الاستعارة إلغازا إذا أشممت رائحة تشبيه . ( كما لو قيل : ) في التحقيقة ( رأيت أسدا ، وتريد إنسانا أبخر ) البخر بالتحريك : النتن في الفم وغيره . ( ورأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة ، وأريد الناس ) تمثيل للتحقيقية والتمثيل ، ولا يخص التمثيل كما يوهمه بيان الشرح ؛ لأن التمثيل من التحقيقية وإنما صار إلغازا ؛ لأن مشابهة الناس بالإبل المائة لا توجد فيها راحلة في عزة وجوده مرضي منتخب ، فيما بينهم خفية غير واضحة ، بحيث لو ترك التشبيه لفظا انتقل الذهن إليه من ذكر المشبه به ؛ ولذا صرح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتشبيه فقال : " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " " 1 " وفي رواية " تجدون الناس كالإبل المائة ليست فيها راحلة " . الراحلة : البعير يرتحله الرجل جملا كان أو ناقة ، أي يحط عليه رحله ، وقوله : كالإبل مفعول ثان ليجدون ، وقوله : ليست فيها راحلة : حال أو جملة مستأنفة . ( وبهذا ظهر أن التشبيه أعم محلا ) أي : أعم بحسب التحقق لا بحسب الصدق ؛ إذ لا يصدق التشبيه على الاستعارة ، ولا الاستعارة عليه . ونبه على إرادة العموم بينهما بحسب التحقق بقوله : " محلا " والأعم إذا أطلق ينصرف إلى الأعم المطلق ، ولم يظهر بما سبق إلا افتراق التشبيه عن الاستعارة ، ولا يظهر به مع ضميمة ما هو ظاهر من اجتماع التشبيه والاستعارة أنه أعم من الاستعارة ، ما لم يظهر أن الاستعارة لا تفارق التشبيه ، وهو لم يعلم ، بل سيعلم خلافه من أنه قد تتعين الاستعارة ، ولا يصح التشبيه فبينهما عموم من وجه . وليس لك أن تحمل العموم عليه ؛ لأنه خلاف العبارة ، ومع ذلك لم يظهر مما سبق ، وليس للأعم معنى أعم منهما ، حتى يحمل عليه ؛ إذ ظهر بما سبق أحد العمومين . ولما في عبارته هذه من الخلل غيّره في الإيضاح إلى قوله : وبهذا ظهر أنهما لا يجيئان في كل ما يجيء فيه التشبيه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الرقائق ، ومسلم في فضائل الصحابة .