وقد صرح به حيث مثل للتخييلية بأظفار المنية المشبهة بالسبع ، والسلف إما أن ينكروا المثال ويجعلوه مصنوعا أو يجعلوا الأظفار ترشيحا للتشبيه لا استعارة تخييلية .
وقد صرح في فصل بيان جهات حسن الاستعارة أيضا به حيث قال :
التخييلية ، فلما يحسن الحسن البليغ بدون الاستعارة بالكناية ؛ ولذلك استهجنت في قول الطائي لا تسقني ، هذا يريد قول أبي تمام " 1 " :
لا تسقني ماء الملام فإنّني * صبّ قد استعذبت ماء بكائي
ويريد بالاستهجان ما نقل أن بعض أصحاب الطائي بعث إليه قارورة ، وقال :
ابعث لنا فيها ماء الملام ، فقال في جوابه : ابعث لنا من جناح الذل حتى نبعث لك من ماء الملام .
يعني إنما وقع مني مثل :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
" 2 " ولم يلتفت إلى ما ذكره في الجواب ، وجعل الاستهجان بمكان ؛ لأن الآية ليست من قبيل ماء الملام ، حتى يذب عنه الملام ؛ لأن الطائر عند إشفاقه وتعطفه على أولاده يخفض جناحه ، ويلقيه على الأرض ، وكذا عند تعبه ووهنه ، والإنسان عند تواضعه يطأطئ من رأسه ، ويخفض من بدنه ، فشبه ذله وتواضعه بإحدى حالتي الطائر على طريقة الاستعارة بالكناية .
ويضاف إليها الجناح قرينة لها ، فإنها من الأمور الملابسة للحالة المشبه بها ، واستبعد المصنف وجودها بدون المكنية جدا ؛ إذ لا يوجد له مثال في كلام البلغاء ، وقال : قول الطائي ليس فيه دليل على وقوعه ؛ لجواز أن يكون أبو تمام شبه الملام بظرف الشراب ؛ لاشتماله على ما يكرهه الملوم ، كما أن الظرف قد يشتمل على ما يكرهه الشارب لبشاعته ومرارته ؛ فتكون التخييلية في قوله تابعة للمكنى عنها أو بالماء نفسه ؛ لأن اللوم قد يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الإدام ، فيكون تشبيها على حد لجين الماء فيما مر ، لا استعارة .
والاستهجان على الوجهين ؛ لأنه كان ينبغي أن يشبهه بظرف شراب مكروه أو
هامش
( 1 ) البيت لأبي تمام في المفتاح ص 498 بتحقيقنا ، والمصباح ص 142 ، ونهاية الإيجاز ص 254 .
( 2 ) الإسراء : 24 .