و . . . تسفهت * أعاليها مرّ الرياح . . . " 1 "
( كأنه قال : تسفهتها الرياح ) .
فقد صار رد الخيل بمنزلة الخيل ، فكأنه قال ليس بمعروفة لنا الخيل ، ولا مستنكر عقرها ، والعقر يعود إلى الخيل ، غير أنه قد جعل الرد بمنزلة الخيل ، فجعل عقرها من سبب الرد .
ثم قال سيبويه : ( كأنه قال : " ليس بآتيك منهيها ، وليس بمعروفة ردها " حين كان من الخيل ، والخيل مؤنثة ، فأنث ) .
يعني : أنا لما جعلنا منهيّها بمنزلة الأمور ، وردها بمنزلة الخيل ، فكأنهما قد صارا مؤنثين ، فعاد إليهما ضمير المؤنث في مأمورها وفي تعقّرا .
قال : ( وهذا مثل قوله تعالى :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
) " 2 " .
وحدّ الأول على اللفظ ، وجمع ما بعده على المعنى ، فكذلك ذكر " بآتيك منهيها " ، و " بمعروف لنا ردها " ، على اللفظ ، وأنث مأمورها وتعقرا على المعنى .
قال الأخفش : هذا كله يجوز فيه النصب وإن كان الأخير ليس من سبب الأول ؛ لأن " ليس " إن قدمت فيها الخبر ، أو أخرته فهو سواء .
قال أبو سعيد : وقد ذكرنا هذا .
قال الأخفش : وليس هذان البيتان على ما زعم سيبويه في الجر ؛ لأنه لا يجوز عنده العطف على عاملين وإن لم يكن الثاني من سبب الأول .
وقال أبو سعيد : كان الأخفش يجيز " ولا قاصر عنك مأمورها " ، " ولا مستنكر أن تعقّرا " ، وإن لم يكن " مأمورها " من سبب منهيها ، ولا " عقرها " من سبب ردّها ؛ لأنه يجيز " ليس زيد بقائم ولا قاعد عمرو " ، عطفا على عاملين .
وزعم الأخفش أن سيبويه غلط في إنكار العطف على عاملين ، وأنه جائز مثل قول
هامش
( 1 ) هذا جزء من بيت لذي الرمة وتمامه :مشين كما اهتزّت رماح تسفّفهت * أعاليها مرّ الرّياح النّواسمديوانه ص 616 ، الخصائص 2 / 419 ، شرح الأشموني : 380 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 112 .