وروي عن " الخليل " روايتان في " لن " ، إحداهما مثل القول الذي ذكرناه ، والثانية أنها كانت " لا أن " فحذف وخفف لكثرته ، كما قالوا : " أيش " و " يلمّه " والأصل " أي شيء " و " ويل أمه " .
واحتج سيبويه مبطلا لهذا القول فقال : لو كان معنى " لن " لا أن ، لما جاز أن نقول :
" زيدا لن أضرب " ، كما لا يجوز " زيدا لا أن أضرب " ؛ لأن ما في صلة أن لا يعمل فيما قبله .
وللمحتج عن " الخليل " أن يقول : إن الحرفين إذا ركّبا قد يتغير معناهما منفردين ، من ذلك أنك تقول : " لو جئتني لأكرمتك " فإنما امتنعت من إكرامه ؛ لامتناع مجيئه ، و " لو " يمتنع بها الشيء لامتناع غيره ، فإذا أدخلت على " لو " " ما " ، أو " لا " ، استحال معناها الأول ، وصارت بما بعدها للتحضيض ، نحو قول اللّه عزّ وجل :
لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ
" 1 " وقوله تعالى :
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
" 2 " والمعنى : هلا ، و " لولا " قد يكون لها معنى آخر ، وهو أن يمتنع الشيء بها لوقوع غيره ، كقولك : " لولا عبد اللّه أتيتك " فإنما امتنع الإتيان من أجل المحذوف بعد عبد اللّه ، والمعنى لولا عبد اللّه قائم ، أو عندك ، أو نحو ذلك ، فبذلك المعنى المضمر ، ومن أجله امتنع إتيانه ، فقد رأينا حروفا يتغير معناها ، بتركيب غيرها معها . فيقول المحتج للخليل : إن معنى " لن " لا أن ، إلا أنا إذا ركبنا أن مع " لا " لم يكن الفعل صلة لها ، كما يكون صلة لأن ، وصارت بمنزلة " لم " في أن الفعل الذي بعدها ليس بصلة لها .
فإن قال قائل : فإذا كان أصلها : " لا أن " ، فهل جاز استعمالها على أصلها ، كما جاز أن يقال : " أي شيء " ، و " ويل أمه " ، فيستعملا على أصولهما ؟ قيل له المخفف والمحذوف على ضربين :
أحدهما : يجوز استعماله على أصله ، والآخر متروك استعماله ، غير جائز إجراؤه على أصله ، لترك العرب لذلك ، ولغيره من العلل التي لا يتسع الموضع لها ، فمن المحذوف الذي يجوز رد ما حذف منه ما ذكرناه وهو " أي شيء " و " ويل أمه " وما لا أحصيه كثرة .
هامش
( 1 ) سورة الحجر ، آية 7 .
( 2 ) سورة المنافقون ، آية 10 .