ذهب بالحوادث مذهب الحدثان .
وهذا الباب إذا تقدم الفعل فيه لم يستقبح تذكير المؤنث فيما ليس بحيوان ، كقوله تعالى :
وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ
" 1 " وقوله تعالى :
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ
" 2 " لأن الفعل إذا تقدم ، فهو عار من علامة الاثنين والجماعة ، فشبهوا تعرّيه من علامة التأنيث بذلك .
وإذا كان الفاعل مؤنثا حيوانا ، وتقدّم الفعل ، لم يحسن التذكير إلا في الشّعر ، لا يحسن أن تقول : " ذهب هند " ولا " ذهب امرأة " .
قال جرير :
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء * على جار استها صلب وشام " 3 "
وقال آخر :
إذ هي أحوى من الرّبعىّ خاذله * والعين بالإثمد الحاريّ مكحول " 4 "
وكان ينبغي أن يقول : مكحولة ؛ لأن العين مؤنثة ، فتأول تأويل الظروف .
وقال آخر :
أرى رجلا منهم أسيفا بماله * يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا " 5 "
قال سيبويه : " اعلم أنه يجوز في الشّعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف يشبهونه بما ينصرف من الأسماء ، لأنها أسماء كما أنها أسماء ، وحذف ما لا يحذف ، يشبّهونه بما قد حذف واستعمل محذوفا " .
قال أبو سعيد : أما قوله : " يجوز في الشعر صرف ما لا ينصرف " فقد ذكرناه .
وقوله : " يشبهونه بما ينصرف من الأسماء " يريد أنهم يشبهون ما لا ينصرف بما ينصرف وتشبيههم له به أنهم يردّونه إلى أصله الذي هو من الصرف بحق الاسمية .
والدليل على أن الاسم الذي لا ينصرف أصله الصرف ، أن الشاعر لا يجوز له أن
هامش
( 1 ) سورة هود ، آية : 67 .
( 2 ) سورة البقرة ، آية : 275 .
( 3 ) البيت في ديوانه 515 ، وخزانة الأدب 2 / 368 .
( 4 ) البيت لطفيل الغنوي في ديوانه 49 ، وسيبويه 1 / 240 .
( 5 ) البيت للأعشى الكبير في ديوانه 89 ، وخزانة الأدب 3 / 156 ، واللسان ( خضب ) .