قال الشيخ : أحدهما « 1 » جار على قياس أخواته / ، وهو الذي ابتدأ به على أن يكون الأوّل سببا للثاني ، وانتفى السّبب فينتفي المسبّب ، وهو معنى قوله : « فكيف تحدّثنا » .
والآخر : أن تقصد إلى أنّ الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأوّل ، فكأنّه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقيب الأوّل ، كما تقول : « ما جاءني زيد وعمرو » أي : ما جاآ بصفة الاجتماع ، فيجوز أن يكون أحدهما جاء « 2 » ، فكذلك ههنا يجوز أن يكون الإتيان وقع دون الحديث ، إذ لم ينف إلّا معاقبة الثاني للأوّل ، فكأنّه نفى الأوّل بصفة معاقبة الثاني له ، لا أنّه « 3 » نفى كلّ واحد منهما كما ذكر في مسألة الواو ، ولذلك قرّر سيبويه المسألة بتقدير الإتيان على سبيل الكثرة وانتفاء الحديث « 4 » ، ليوضّح أنّ النّفي لم يرد إلّا على ما ذكره ، ولم يرد سيبويه أنّ مدلول الكلام ذلك في كلّ موضع ، وإنّما أراد به التمثيل لبعض صوره ليحقّق المعنى المذكور ، وقد جاء في الحديث عنه عليه السّلام : « لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النار إلّا تحلّة القسم » « 5 » ، فهذا على الوجه الثاني ، لأنّ المقصود من النّفي نفي المسّ عقيب الموت المذكور ، كما أنّ المقصود نفي الحديث عقيب الإتيان ، ولا يستقيم على الوجه الأوّل ، إذ لا يقدّر موت الولد سببا للمسّ حتّى ينتفي لانتفائه ، بل الأمر بالعكس ، [ يعني أنّ موت الولد سبب لدخول الجنّة ] « 6 » ، ولا يستقيم أن يحمل على تفسير سيبويه بالكثرة ، إذ ليس المقصود أنّ موت « 7 » ثلاثة من الولد لكلّ واحد واقع « 8 » كثيرا ، ولكن لا يحصل بعده مسّ ، وإنّما المقصود أنّ مسّ النّار لا يكون مع موت ثلاثة من الولد كما أنّ المقصود ثمّة أنّ الحديث لا يكون بعد الإتيان .
واتّفق أنّ من صور المسألة أن يقع الأوّل كثيرا ، ولا يقع الثاني ، فمثّلها سيبويه لتتّضح ويتبيّن الفصل بينه وبين المعنى الأوّل ، لأنّه يخالفه في ذلك ، لا على أنّ ذلك ملازم له لما تبيّن في المعنى .
قوله : « ويمتنع إظهار أن مع هذه الأحرف » .
هامش
( 1 ) في د : « أحدها » . تحريف .
( 2 ) في د : « وقع » .
( 3 ) في ط : « لأنّه » ، تحريف .
( 4 ) انظر الكتاب : 3 / 30 ، والمقتضب : 2 / 16 - 17
( 5 ) الحديث في صحيح البخاري : 1 / 422 - كتاب الجنائز . وروايته « لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار » .
وهو في مسند الإمام أحمد : 3 / 29 .
( 6 ) سقط من الأصل . ط . وأثبته عن د .
( 7 ) في ط : « يموت » .
( 8 ) في ط : « يقع » .