لنوع من الحكمة ، وذلك كثير في القرآن العزيز :
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
[ يوسف :
100 ] بمعنى : لطف بي ، وكذا قوله :
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها
[ القصص : 58 ] ، فإنّ ابن السّرّاج حمله على المعنى ، لأنّ من بطر فقد كره ، والمعنى :
كرهت معيشتها ، وهذا أكثر من أن يحصى ، وعليه قول المتنبي ( 1 ) : [ البسيط ]
« 526 » - لو استطعت ركبت النّاس كلّهم * إلى سعيد بن عبد اللّه بعرانا
قالوا : معناه لو استطعت جعلت الناس بعرانا فركبتهم إليه ، لأنّ في « ركبت » ما يؤدي معنى « جعلت » وليس في « جعلت » معنى « ركبت » .
فقيل في جوابه : غيّرت لفظ التلاوة ونقلت معنى الكلمة عمّا وضعت له ، أمّا لفظ التلاوة فهو : « وقد أحسن بي » ، وأما نقل الكلمة فهو تأولك « أحسن بي » على « لطف بي » ، وإنّما حملك على ذلك أنّك وجدت « أحسن » تعدّى بإلى في مثل قول القائل : قد أحسنت إليه ، ولا تقول : قد أحسنت به ، وجهلت أنّ الفعل قد يتعدّى بعدّة من حروف الجر على مقدار المعنى المراد من وقوع الفعل ، لأنّ هذه المعاني كامنة في الفعل ، وإنما يثيرها ويظهرها حروف الجر ، وذلك أنّك إذا قلت : خرجت ، فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت : خرجت من الدار فإن أردت أن تبين أنّ خروجك مقارن لاستعلائك قلت : خرجت على الدابة ، فإن أردت المجاوزة للمكان قلت : خرجت عن الدار ، وإن أردت الصحبة قلت : خرجت بسلاحي ، وعلى ذلك قال المتنبي : [ الطويل ]
« 527 » - أسير إلى إقطاعه في ثيابه * على طرفه من داره بحسامه
فقد وضح بهذا أنّه ليس يلزم في كل فعل أن لا يتعدّى إلا بحرف واحد ، ألا ترى أنّ « مررت » المشهور فيه أنه يتعدى بالباء ، نحو : مررت به ، وقد يتعدى بإلى وعلى ، فتقول : مررت إليه ومررت عليه ، وكذلك قوله سبحانه :
« وَقَدْ أَحْسَنَ بِي »
، وذلك أنّ الباء قد جاءت متصلة بحسن وأحسن ، فتقول : حسن به ظنّي ، ثم تنقله بالهمزة : أحسنت به الظن ، وذلك في الإساءة ، فيكون التقدير في الآية : وقد أحسن الصنع بي ، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه ، وحذف المفعول في العربية كثير ، من ذلك قوله تعالى :
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
[ لقمان : 17 ] ، يريد : وأمر الناس بالمعروف وانههم عن المنكر ، وكذا قوله تعالى :
رَبِّيَ الَّذِي
هامش
( 526 ) - انظر ديوانه ( ص 168 ) .
( 527 ) - الشاهد للمتنبي في ديوانه ( 4 / 115 ) ، وتاج العروس ( سبع ) .