وأما الجر فعلى أنّك مررت بالقوم كلهم ، ولا ينقض هذا أن يكون معهم غيرهم ، لأنّه إذا كان معهم غيرهم صحّ أن تقول : " مررت بالثلاثة كلّهم " ، ولا يكون الكلام كذبا ، فلهذا فرّق النحويون بين النصب والجر .
* * * وتعرض في هذا الباب مسألة مشكلة ، وهي أنّ النحويين اتفقوا على أن قولك :
" مررت بالقوم ثلاثتهم " ، تأكيد ، ولا يحفظ عنهم خلاف في ذلك . ويسبق إلى الخاطر جواز البدل أكثر من سبق التأكيد . فالذي حملهم على هذا - واللّه أعلم - أنّه يقال في معنى أنّ القوم ثلاثة .
وكذلك إذا قلت : " مررت بالقوم أربعتهم " ، فالمعنى أنّ القوم أربعة . فإذا ثبت هذا ، فاعلم أنّه إذا قلنا : فيه بدل ، فإنّه يكون إذ ذاك بدل شيء من شيء .
فإذا قلت : " مررت بالقوم ثلاثتهم " ، فالضمير المتصل في " الثلاثة " هو القوم ، والثلاثة هم القوم ، فيكون فيه إضافة الشيء إلى نفسه .
فإن قيل : وكذلك يلزم في التأكيد ، فالجواب : إنّ ذلك محتمل في التأكيد لأنّه في معنى " كلّهم " . وقد اشتهر في " كل " إضافتها إلى ما هو هي ، فيقولون : " كلّ القوم " لأنّها محمولة على " بعض " وهي نقيضتها ، فكما يقال " بعضهم " ، فكذلك يقال : " كلّهم " .
فإذا قلت : " ضربت زيدا وحده " ، ففيه خلاف . فسيبويه ، رحمه اللّه ، لا يجعله حالا إلّا من الفاعل ، أي : أفردته بالضرب ، فكأنّك مفرد له ، وأبو العباس يجيز أن يكون حالا من المفعول ، فإذا قلت : " ضربت زيدا وحده " ، فمعناه : ضربت زيدا في حال أنّه مفرد بالضرب .
ومذهب سيبويه أولى ، لأنّ وضع المصادر موضع اسم الفاعل أكثر من وضعها موضع المفعول .
ولا يجوز في " وحده " الجرّ إلّا ما شذّ ، ولا يقاس عليه ، وهو : " عوير وحده " " 1 " ، و " جحيش وحده " ، و " نسيج وحده " .
هامش
( 1 ) العوير : مصغّر " عير " ، وهو حمار الوحش ، والحمار الأليف ، والعبارة تقال في ذمّ الرجل المعجب برأيه لا يخالط أحدا في رأي ، ومثله " جحيش وحده " .