أقول : إن كلّ بيت من الأبيات السائرة يؤدي معنى منفردا ، ولكنك إذا حذفته ، أو غيرت ترتيبه اختل التسلسل المعنوي ، واقرأ قول الحطيئة في سياق هجاء الزبرقان ، ورفع مقام « بغيض » :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين اللّه والناس
وقول أبي ذؤيب في سياق رثاء أولاده :
والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقول لبيد في سياق رثاء أخيه أربد :
وما المال والأهلون إلّا ودائع * ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع
فمع أن هذه الأبيات من سوائر الأمثال ، إلا أن سياق القصيدة لا يستغني عنها .
بل إن البيت يكتسب معنى زائدا ، إذا قرىء في سياقه ، وهذا يدل على أن البيت مربوط بالقصيدة ، ودلالته على معنى منفرد ، مع ارتباطه ميزة فنية تحسب في محاسن القصيدة .
* وأما أبيات الشواهد النحوية : فإنها تنشد في كتب النحو لتكون حجة للقواعد النحوية ، فإذا أنشدتها في باب الأدب نقص معناها ، أو اختلّ . ولعلّ سائلا يقول :
وهل ينفصم الأدب عن النحو ، أو ينفصل النحو عن الأدب ؟ الجواب : إن الشعراء يعدّون النحو موجّها لأساليبهم ؛ لأنهم يقولون للإفهام والتأثير . والقارئون والسامعون موجّهون بما عهدوا من قواعد النحو ، ولكن مع ذلك ، ليست القواعد النحوية هي المتفرّدة بإحداث التأثير الأدبي ، بل هناك عوامل أخرى تدخل في باب البلاغة وعلم المعاني .
وأما النحويون : فإنهم لا يعيرون الناحية الأدبية كثيرا من الرعاية عندما يستشهدون بأبيات الشعر ، وذلك راجع إلى طبيعة صنعتهم ، وما يرغبون فيه لبناء القواعد عليه . وقد سجّلت على حاشية الشواهد النحوية الملاحظات التالية :