فما جاء عن الخليل في ذلك قوله :
" كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا : ( صر ) ، وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا : ( صرصر ) " " 1 " .
نلمح هنا إشارة الخليل إلى ما بين الفعل الثلاثي المضعف العين صر وبين معناه من التناسب من حيث بنية الصيغة ودلالتها على المعنى الإفرادى لتلك الكلمة ، فنحن نلاحظ أن تضعيف الراء الناشئ عن التشديد فيها ينتج عنه نوع من المط والاستطالة ينشأ عن سمة التكرارية التي تتسم بها الراء ، وهذا في نهاية الكلمة يناسب ما في صوت الجندب من مد واستطالة ؛ فالمناسبة هنا ظاهرة بين أصوات هذه الكلمة ومعناها الذي تدل عليه .
فإذا انتقلنا إلى كلام سيبويه في هذا الموضع فإننا نجد أن سيبويه قد أصل سبق الخليل إلى هذا الباب ، فهو يقول :
" هذا باب " افعوعل " وما هو على مثاله مما لم نذكره . قالوا " خشن " ، وقالوا :
" اخشوشن " ، وسألت الخليل ، فقال : كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد ، كما أنه إذا قال " اعشوشبت الأرض " فإنما يريد أن يجعل ذلك كثيرا عاما قد بالغ " " 2 " .
لقد التفت الخليل وسيبويه هنا إلى أثر زيادة المبنى في زيادة المعنى ، كما قد التفتا كذلك إلى الغرض من تلك الزيادة ، وهو هنا المبالغة والتوكيد ، وقد عقد سيبويه لذلك بابا في كتابه وسماه " ما جاء على مثال واحد حين تقاربت المعاني " " 3 " .
ونحتاج أن نقف أمام بعض هذه المواضع لتأملها وبيان مدى وقوف سيبويه على هذه الظاهرة ، فلنتأمل على سبيل المثال قوله :
" ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني ، قولك " النزوان " ، و " النقذان " و " القفزان " ، وإنما هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع ، ومثله
هامش
( 1 ) ابن جنى الخصائص ، 2 / 152 تحقيق د / محمد على النجار ، ط دار الهدى للطباعة والنشر بيروت لبنان س 1958 .
( 2 ) سيبويه / الكتاب ، 2 / 241 / ط المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية ص 1317 .
( 3 ) المرجع السابق 2 / 219 . وثمة مواضع أخر كثيرة في كتابه انظر على سبيل المثال الكتاب 2 / 214 - 216 .