هذا باب ما يقع في الاستثناء من غير نوع المذكور قبله
وذلك قولك : « ما جاءني أحد إلّا حمارا » ، و « ما في القوم أحد إلّا دابّة » .
فوجه هذا وحدّه النصب ؛ وذلك لأنّ الثاني ليس من نوع الأوّل ، فيبدل منه ، فتنصبه بأصل الاستثناء على معنى « ولكن » ، واللفظ النصب لما ذكرت لك في صدر الباب .
فمن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
« 1 » .
ومن ذلك :
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
« 2 » . ف « العاصم » الفاعل ، و « من رحم » « معصوم » ، فهذا خاصّة لا يكون فيه إلّا النصب .
وأمّا الأوّل فقد يجوز فيه الرفع ، وهو قول بني تميم .
وتفسير رفعه على وجهين :
أحدهما : أنّك إذا قلت : « ما جاءني رجل إلّا حمار » ، فكأنّك قلت : « ما جاءني إلّا حمار » ، وذكرت « رجلا » وما أشبهه توكيدا . فكأنّه في التقدير : ما جاءني شيء رجل ولا غيره ، إلّا حمار .
والوجه الآخر : أن تجعل « الحمار » يقوم مقام « من جاءني » من « الرجال » على التمثيل ، كما تقول : « عتابك السيف » ، و « تحيّتك الضرب » ، كما قال [ من الوافر ] :
وخيل قد دلفت لها بخيل * تحيّة بينهم ضرب وجيع
[ 3 ]
هامش
( 1 ) الليل : 19 ، 20 .
( 2 ) هود : 43 .
[ 3 ] تقدم بالرقم 99 .