ألا ترى أنّ « خلف » ، و « أمام » ، و « قدّام » ، ونحو ذلك يتصرّفن ؛ لأنّ الأشياء لا تخلو منها ، وليس الوجه مع ذلك رفعها حتّى تضيفها ، فتقول : « خلف كذا » ، و « أمام كذا » ، حتّى تعرّف الشيء بالإضافة .
ولو قلت : « سير بزيد خلف للدار » ، أو « أمام للدار » ، جاز على بعد ؛ لأنّه نكرة ، وإن كانت اللام توجب معنى الإضافة ، ولكنّك إذا قلت : « خلف لها » ، جعلته مبهما ، ثمّ علّقته بها ، كقولك : « هذا غلام لزيد » . فقد علمنا أنّه في ملك « زيد » ، وليس المعروف به . فإذا قلت : « غلام زيد » ، فهو مثل : « أخو زيد » ، أي : المعروف به ؛ كما قال لبيد بن ربيعة [ من الكامل ] :
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه * مولى المخافة خلفها ، وأمامها
[ 1 ] والأجود في هذا ألّا يجري إلّا ظرفا لإبهامه وإن كان مضافا .
فإذا قلت : « خلفك واسع » ، فالرفع لا غير ، لأنّه ليس بظرف ، وإنّما خبّرت عن الخلف ؛ كما تقول : « زيد منطلق » .
وكذلك : « يوم الجمعة يوم مبارك » . وإنّما الظروف أسماء الأمكنة والأزمنة ، فإن وقع فيها فعل ، نصبها ؛ كما ينصب « زيدا » إذا وقع به ، إلّا أنّ « زيدا » مفعول له ، وهذه مفعول فيها .
* * * وتقول : « وسط رأسك دهن يا فتى » ؛ لأنّك خبّرت أنّه استقرّ في ذلك الموضع ، فأسكنت السين ونصبت لأنّه ظرف .
وتقول : « وسط رأسك صلب » ؛ لأنّه غير ظرف ، وتقول : ضربت وسطه » ؛ لأنّه المفعول به بعينه .
وتقول : « حفرت وسط الدار بئرا » ، إذا جعلت « الوسط » كلّه بئرا ؛ كقولك : « خرب وسط الدار » .
* * * وكلّ ما كان معه حرف خفض ، فقد خرج من معنى الظرف ، وصار اسما ، صحّ كقولك : « سرت في وسط الدار » ؛ لأنّ التضمّن ل « في » .
وتقول : « قمت في وسط الدار » ، كما تقول : « قمت في حاجة زيد » ، فتحرّك السّين من « وسط » ؛ لأنّها هنا ليست بظرف .
* * *
هامش
[ 1 ] تقدّم بالرقم 292 .