ولو قال قائل : « أشهد بأنّك منطلق » ، لم يكن إلّا الفتح ؛ لأنّها اسم مخفوض ، وعبرتها أبدا ب « ذاك » ، فيكون « ذاك » في أنّها اسم تامّ في موضع « أنّ » وصلتها . فإذا قلت : « علمت أنّ زيدا منطلق » ، فهو كقولك : « علمت ذاك » . وإذا قلت : « بلغني أنّ زيدا منطلق » ، فهو في موضع : بلغني ذاك . وإذا قلت : « أشهد بأنّك منطلق » ، فمعناه : أشهد بذاك .
فإن قال قائل : فكيف أقول : « أشهد بأنّك لمنطلق » ؟
قيل له : هذا محال كسرت أو فتحت ؛ لأنّ حدّ الكلام التقديم ، فلو أدخلت حرف الخفض على اللام ، كان محالا ؛ لأنّ عوامل الأسماء لا تدخل على غيرها . لو قلت هذا لقلت : « أشهد بذلك » .
وكذلك : « بلغني أنّك منطلق » ، لا يجوز أن تدخل اللام فتقول : « بلغني أنّك لمنطلق » ؛ لأنّ « إنّ » وصلتها الفاعل ، واللام تقطع ما بعدها . فلو جاز هذا ، لقلت : « بلغني لذاك » . فهذا واضح بيّن جدّا .
فأمّا قوله عزّ وجلّ :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ
« 1 » فمعناه :
إلّا وهذا شأنهم . وهو - واللّه أعلم - جواب لقولهم :
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
[ الفرقان : 7 ] .
وأمّا قوله عزّ وجلّ :
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا
« 2 » .
ف « أنّهم » وصلتها في موضع الفاعل . والتقدير - واللّه أعلم - : وما منعهم إلّا كفرهم .
ونظير التفسير الأوّل قول الشاعر [ من المنسرح ] :
[ 251 ] -
ما أعطياني ولا سألتهما * إلّا وإنّي لحاجزي كرمي
هامش
( 1 ) الفرقان : 20 .
( 2 ) التوبة : 54 .
[ 251 ] - التخريج : البيت لكثيّر عزّة في ديوانه ص 273 ؛ وتخليص الشواهد ص 344 ؛ والكتاب 3 / 145 ؛ والمقاصد النحوية 2 / 308 ؛ وبلا نسبة في الدرر 4 / 13 ؛ وشرح الأشموني 1 / 138 ؛ وشرح عمدة الحافظ ص 227 ؛ وهمع الهوامع 1 / 246 .
اللغة : حاجزي : مانعي .
الإعراب : « ما » : حرف نفي . « أعطياني » : فعل ماض ، والألف : ضمير في محلّ رفع فاعل ، والنون :
للوقاية ، والياء : ضمير في محلّ نصب مفعول به . « ولا » : الواو حرف عطف ، « لا » : حرف نفي . « سألتهما » :
فعل ماض ، والتاء ضمير متّصل في محلّ رفع فاعل ، و « هما » : ضمير متّصل مبنيّ في محلّ نصب مفعول به .
« إلّا » : حرف استثناء مهمل . « وإنّي » : الواو : حاليّة ، « إني » : حرف مشبّه بالفعل ، والياء ضمير في محلّ -