ومن قال : " مست " ، ففتح الميم فإنّما شبّهها ب " لست " ؛ لأنّ أصلها كان : " لاس " " يليس " . وقد فسّرنا امتناعها من ذاك ؛ لما يلزمها في المضارع وغيره من تصرّف الفعل .
فهذا الذي فتح الميم حذف لما ذكرت لك . وترك الميم على أصلها للتغيير .
واعلم أنّ التضعيف مستثقل ، وأنّ رفع اللسان عنه مرّة واحدة ، ثمّ العودة إليه ليس كرفع اللسان عنه وعن الحرف الذي من مخرجه ولا فصل بينهما ، فلذلك وجب . وقوم من العرب إذا وقع التضعيف أبدلوا الياء من الثاني لئلّا يلتقي حرفان من جنس واحد ؛ لأنّ الكسرة بعض الياء ، وأنّ الياء تغلب على الواو رابعة فما فوقها حتّى تصيّرها ياء ؛ لا يكون إلّا ذلك . وقد مضى هذا .
وذلك قولهم في " تقضّضت " : " تقضّيت " ، وفي " أمللت " : " أمليت " . وكذلك " تسرّيت " في " تسرّرت " . والدليل على أنّ هذا إنّما أبدل لاستثقال التضعيف قولك :
" دينار " ، و " قيراط " . والأصل " دنّار " و " قرّاط " ، فأبدلت الياء للكسرة ، فلمّا فرّقت بين المضاعفين ، رجع الأصل فقلت : " دنانير " ، و " قراريط " ، و " قريريط " .
واعلم أنّ الشعراء إذا اضطرّوا إلى إسكان حرف ممّا هو متحرّك ، فلم يصلوا إلى ذلك ، أبدلوا منه الياء إن كانت قبله كسرة ؛ لأنّ الياء إذا كانت كذلك ، لم تحرّك ، فيسلم
هامش
- اللغة : العتاق : جمع عتيق وهو الكريم الأصيل . حسين به ، أو أحسن به : أيقنّ . الشوس : جمع أشوس وهو الناظر بمؤخر عينه من الغيظ أو التكبّر .
المعنى : حتى الكريمات الأصيلات من الدواب قد أيقنت وأحسّت به ، فنظرت إليه بمؤخر عيونها غيظا منه ، أو تكبّرا عليه .
الإعراب : " خلا " : فعل ماض جامد للاستثناء ، وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره ( هو ) . " أنّ " : حرف مشبّه بالفعل . " العتاق " : اسم " أنّ " منصوب بالفتحة . " من المطايا " : جار ومجرور متعلّقان بحال محذوفة .
" أحسن " : فعل ماض مبني على السكون ، والنون : ضمير متصل في محلّ رفع فاعل ، والمصدر المؤول من " أنّ " وما بعدها في محل نصب مفعول به . " به " : جار ومجرور متعلّقان ب ( أحسن ) . " فهنّ " : الفاء :
استئنافية ، " هنّ " : ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ . " إليه " : جار ومجرور متعلّقان بالخبر ( شوس ) .
" شوس " : خبر مرفوع بالضمّة .
وجملة " خلا " : ابتدائية لا محلّ لها . وجملة " أحسن به " : في محلّ رفع خبر ( أنّ ) . وجملة " هنّ شوس " : استئنافيّة لا محلّ لها .
والشاهد فيه قوله : " أحسن " حيث سكّن فعلا مضعّفا ، وجاز ذلك للزومه السكون في هذا الموضع بسبب اتصاله بنون النسوة .