ومخرجها من الشفة تتناولان الخياشيم بما فيها من الغنّة .
* * * وللنونات أحكام نذكرها ، ثمّ نعود إلى سائر الحروف .
اعلم أنّ " النون " إذا وليها حرف من حروف الفم ، فإنّ مخرجها معه من الخياشيم ، لا يصلح غير ذلك .
وذلك لأنّهم كرهوا أن يجاوروا بها ما لا يمكن أن يدغم معه إذا وجدوا عن ذلك مندوحة . وكان العلم بها أنّها نون كالعلم بها وهي من الفم . وذلك قولك : " من قال " ، و " من جاء " ؟
ولا تقول : " من قال " ، و " من جاء " ؟ فتبيّن ، وكذلك " من سليمان " ؟ و
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
" 1 " ولا تقول : " من سليمان " ؟ ولا
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
فتبيّن . فإن كان معها حرف من حروف الحلق ، أمن عليها القلب ، فكان مخرجها من الفم لا من الخياشيم لتباعد ما بينهما . وذلك قولك : " من هو " ؟ فتظهر مع الهاء وكذلك : " من حاتم " ؟ ولا تقول : " من حاتم " ؟ فتخفي ، وكذلك : " من عليّ " ؟
وأجود القراءتين
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
" 2 " ، فتبيّن .
وإنّما قلت : أجود القراءتين ؛ لأنّ قوما يجيزون إخفاءها مع " الخاء " و " الغين " خاصّة ؛ لأنّهما أقرب حروف الحلق إلى الفم . فيقولون : " منخل " ، و " منغل " . وهذا عندي لا يجوز . ولا يكون أبدا مع حروف الحلق إلّا الإظهار .
فأمّا حجّة سيبويه في أنّها تخرج مع حروف الفم إلى الخياشيم ، فإنّما ذلك عنده لأنّها إن أدغمت مع ما تخفى معه ، لم يستنكر ذلك ، ولا يصلح الإدغام لتباعد المخارج . فلمّا وجدوا عن ذلك مندوحة ، صاروا إليها .
وأنا أرى تقوية لهذا القول أنّ امتناعهم من تبيينها مع حروف تتفرّق في الفم ، ويتباعد بعضها من بعض ، فكرهوا أن يبيّنوها في حيّز ما يدغم في نظيره .
ألا ترى أنّها تدغم في " الميم " في قولك : " ممثلك " ؟
وتقلب مع " الباء " " ميما " إذا كانت ساكنة ؛ وذلك " عمبر " ، و " شمباء " ، و " ممبر " .
هامش
( 1 ) المطففين : 10 .
( 2 ) الملك : 14 .