الفصل الرابع نمط المعرفة الحديث : كيف يمكن معالجة أزماته الأخلاقية ؟
لقد وضحنا في الفصلين السابقين كيف أن حضارة " اللوغوس " الحديثة ذات وجهين : عقلي وقولي وكيف أن وجهها العقلي ناقص يجب تكميل نقصه وأن وجهها القولي ظالم يجب دفع ظلمه ، وذلك بالتوسّل بالممارسة الأخلاقية ذات الأصل الديني في أعلى مراتبها ؛ لكن هذه الحضارة ذات الوجهين لها أيضا شقان اثنان : شق المعرفة التي حصّلتها وشق التقنية التي صنعتها ؛ ولا شك أن شق المعرفة يتقدم فيها شق التقنية كما تقدم وجه العقل فيها وجه القول ، لكن الانشغال والافتتان بالتقنية لا يضاهيهما إلا الانشغال والافتتان بالعقلانية ، حتى أضحت المعرفة لا تطلب إلا من أجل هذه التقنية ولا تشرف إلا بقدر ما تفتحه لها من الآفاق ، بحيث نشهد اليوم ما يمكن أن نسميه ب " فتنة التقنية " على غرار " فتنة العقلانية " .
وكما أن الوجهين المذكورين من حضارة اللوغوس دخلت عليهما حدود ومضار ، فكذلك هذان الشقان منها شابتهما أزمات وآفات ؛ ونقصد هاهنا أن ننظر في هذين الشقين للحداثة : الشق المعرفي والشق التقني ، فنقوّمهما على مقتضى أخلاق الدين الإسلامي ، مبرزين ، على وجه الخصوص ، الأزمات التي تقوم بالشق الأول والسيادات التي تقوم بالشق الثاني ، بحيث تكون الحضارة الحديثة من حيث هي حضارة معرفة حضارة متأزمة وتكون من حيث هي حضارة تقنية حضارة متسلطة ؛ فلنشتغل في الفصل الحالي ببيان مظاهر الأزمة التي تعاني منها هذه الحضارة ، على أن نفرد الفصل الذي يليه لبيان مظاهر التسلط فيها .
لئن سلّمنا بأن المتخلّق بأخلاق الدين الإسلامي يلزمه أن يطلب الاتصاف بالعقل والعلم « 1 » ، فلا نسلّم بأنه يلزمه ، في تحصيل هذا الاتصاف ، الاندفاع في
هامش
( 1 ) تأمل الحديث الشريف الذي رواه أبو داوود والترمذي عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه ، وهو : -