لأنهم ذوو كيفية ، بل لأنهم يلتذون بهم . فالذين يحبون لمنفعة ما إنما يحبون للخير الذي هو لهم . والذين يحبون للذة إنما يحبون اللذيذ عندهم . .
وهذه المحبات هي بنوع العرض » « 1 » . فالمحبة إما تكون لغايات الخير ويكون عمادها التعقّل والحكمة ، وهي مفيدة ، وتقود إلى السعادة . وإما أن تقوم على اللذات الحسية وهي فاسدة ومحبة كاذبة مصطنعة .
يصل أرسطو من ذلك إلى التمييز بين الحب الصادق المفضي إلى الخير والذي يشدّ الناس إلى بعضهم بروابط تمتاز بالثبات والتواصل ، وبين الحب الذي يهدف إلى لذة ، وهو مصطنع ، وهذا الحب يتحوّل إلى عشق قائم على أسس الجمال الحسّي ، وتصبح اللذة عندها هي باب تجدّد اللقاء بين المحبوبين ، وبالتالي تفسد العلاقة بعد قضاء الحاجة .
فالعشق هو من أنواع العلاقات الفطرية الغريزية ، أما عندما يصل الإنسان إلى التعقّل وتجريد الحقائق فإن العلاقة ترقى فتسمو عن مستوى الحس . وبذلك يشبه أن يكون ابتداء الصداقة « اللذة التي تكون بالبصر ، كمحبة العشق . فإنه لا يعشق أحد إن لم يلذّ بالبصر أولا . والذي يفرح باللذيذ لا يعشق شيئا أكثر منه ، بل إذا أصيب بتباعده اشتهى قربه أيضا .
وكذلك لا يمكن أن يكونوا أصدقاء ، إن لم يكونوا صاروا نصحاء . وأما النصحاء فلا يحبون حبا أكثر ، فإنهم يريدون الخير فقط للّذين هم لهم نصحاء » « 2 » .
هنا يلتقي أرسطو مع أستاذه أفلاطون في تمجيد علاقات المحبة القائمة على العقل والحكمة ، والتي يقصد من ورائها الخير للآخرين مما يقود إلى سيادة القيم الأخلاقية الخيّرة . ويذم أرسطو كأفلاطون علاقات العشق لأنها لا تقوم على العقل ، وإرادة الخير ، وإنما تقوم على المصلحة ، وابتغاء اللذات ، وكثيرا ما يستعمل العاشقان التمويه والخداع بين بعضهما لأنه لا
هامش
( 1 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 277 .
( 2 ) أرسطو ، الأخلاق ، م . س ، ص 316 .