كلّما اتسعت معارفنا ، وهذا ما حمله على إهمال الجانب العملي في حديثه عن نشر القيم الأخلاقية .
لقد كان عماد مشروعه لإصلاح الفساد المنتشر في أثينا هو نشر المعرفة بواسطة التعليم ، فكان يصرف اهتمامه للصغار أكثر من الكبار لأنهم أكثر استعدادا لترويض أنفسهم على قهر الشهوات ، والاستهتار بالماديات والأشياء الخاصة ، لأنّ حياة الإنسان تكتسب معناها في ممارسة الفضائل ، وتسقط من كل حساب إذا سيطر الشرّ على سلوك الفرد . ولذا فعلى الإنسان أن يخاف من الرذيلة وليس من الموت .
ويروى أن سقراط سئل مرة : ما بالك تعاشر الأحداث ( صغار السن ) دائما ؟ فقال : أفعل ذلك كما تفعل الراضة ( مروضو الخيل ) ، فإنّهم يرومون رياضة الأفلاء « 1 » من الخيل لا العتاق .
إن التربية هي السبيل إلى نشر الفضيلة ، لأن إغناء النفس بالمعارف هو الثروة الحقيقية ، فالثروة ليست بالممتلكات ، وإنما الثروة هي غنى النفس .
هذا المفهوم السقراطي قاده إلى رفض فكرة السعادة الكائنة في الثروة المادية ، أو في تلبية الرغبات الجسيّة ، وإنما السعادة الحقيقية هي في تصرف الإنسان وفق قواعد الحكمة في كل أعماله ، حتى عند تلبية رغباته وحاجاته .
وقد تحدّث سقراط ، في فلسفته الخلقية ، عن عدد من الفضائل التي تلي المعرفة وهي رأس الفضائل عنده ، ومن هذه الفضائل العمل . فالعمل هو السبيل لكي يحصّل الإنسان ما يحتاجه في حياته من أمور أساسية ، وألّا يعتمد في ذلك على غيره . والعمل يجعل الإنسان في احتكاك مع معطيات وأحوال الواقع المعيشي مما يزيد معارفه في ما ينبغي أن يتعرّف عليه ، وفي كل ما يرتبط بحياته وواقعه .
بعد العمل تأتي فضيلة القناعة التي تساعد الإنسان على احتقار
هامش
( 1 ) الأفلاء ج فلو وهو صغير الحصان الذي أصبح فطيما أو بلغ السنة ، ويسمى : مهر .