هذه الطروحات في أهمية تطهير النفس من المادة ، واعتبار إشباع الشهوات سبيل الألم والشقاء كان لها صداها فيما بعد في نظام الرهبنة المسيحي ، وكذلك في السلوك الصوفي عند المسلمين حيث يتداول المتصوفون القول المأثور : « الشهوة حجاب بين العبد وربّه » .
ليست المعرفة بحدود البحث العقلي والتبصر بذات قيمة هامة في نظر الهندوس بل قد تستخدم المعرفة العقلية كاقتدار على تحصيل المتطلبات البدنية ، لذا نرى أن الهنود لم يكثروا من التنظير الفكري البحت في ميدان الأخلاق والسلوك ، بقدر ما ركزوا اهتمامهم على الممارسة العملية للرياضات والمجاهدات البدنية والنفسية ، ويؤكد لنا ما نقوله عدم بروز أسماء متعددة في ميدان الفلسفة ، وترك الآثار النظرية لدرجة أن كتبهم الفيدا المقدسة جهّل كاتبها .
إن السلوك الخلقي الفاضل عندهم ليس ذلك الذي يتمتع صاحبه بالمعرفة الواسعة وإنما بالسلوك الزاهد المحصن من شرور المادة . وعندهم :
إن « الوصول إلى الخلاص بالعلم لا يكون إلّا بالاتّزاع « 1 » عن الشر ، ففروعه على كثرتها راجعة إلى الطمع والغضب والجهل . وبقطع الأصول تذبل الفروع . ومدار ذلك إماتة قوتي الشهوة والغضب اللتين هما أعدى عدوّ وأوبقه « 2 » للإنسان ، يغرّانه باللّذة في المطاعم والراحة في الانتقام ، وهما بالتأدية إلى الآلام والآثام أولى ، وبهما يشابه الإنسان السباع والبهائم ، بل الشياطين والأبالسة ، وعلى إيثار القوة النطقية العقلية التي بها يشابه الملائكة المقرّبين . وعلى الإعراض عن أعمال الدنيا ، وليس يقدر على تركها إلّا برفض أسبابها مع الحرص والغلبة » « 3 » .
ولكن الوصول إلى الخلاص وتطهير النفس لا يكون إلّا إذا تعلّق فكر
هامش
( 1 ) الاتّزاع : الكف والامتناع .
( 2 ) أوبق : من أبق العبد : هرب من سيده وأنكره .
( 3 ) البيروني ، م . س ، ص 65 .