تبدأ الحكاية عند مسكويه بمنهج يلتقي فيه مع سقراط ، ومفاده أن يعكف الفرد أولا على نفسه قبل أي شيء يسبر أغوارها ، ويفهم كنهها ، لأن معرفة النفس ، سواء لجهة قواها وقدراتها ، أو لجهة أهميتها في تحقيق إنسانية الإنسان ، إذا سمت فوق عالم المادة إلى الروح والمثل العليا ، فإنّها ترقى بالإنسان إلى حيث يجب أن يكون ، ولذا يوجّه خطابا عاما قائلا : « ينبغي أن نعرف نفوسنا ما هي ولأي شيء ؟ » « 1 » .
لكن خطوة المعرفة هذه غير كافية ، ولكنها تمهيد نظري للممارسة وفق هذه المفاهيم النظرية المستندة إلى المعرفة ، وهذه قاعدة إسلامية ملزمة للمؤمن الذي يتوجب عليه أن يقرن القول والمعرفة بالفعل والممارسة ، وألا يكون القول والمعرفة كلاما لا فائدة منه . وهذا ما يستفاد من الآية الكريمة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
« 2 » .
فالفضيلة تتحقّق بالعلم والعمل ، وبالمعرفة والسلوك ، ومن غير المختلف فيه أنه « ليس يتمّ أحدهما إلّا بالآخر ، لأن العلم مبدأ والعمل تمام ، والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا » « 3 » .
إن المبادئ الأخلاقية وإن كانت تنطلق من المعرفة ، ولكن هذه المعرفة الخلقية ليست مستندة إلى تجارب حسّيّة تستخلص منها القواعد ، فمع اعتماد الإدراك على معطيات الحسّ إلّا أن الإدراك المتعلّق بفلسفة الأخلاق ومبادئها مسألة من النفس ذاتها كأنه له وجود سابق قبلي ؛ أي كأن قيم الأخلاق قد فطرت عليها النفس ومنها تستمد ، فهي المصدر الأول لتحديد المعيار الذي يقاس عليه كل عمل لنعرف هل هو أخلاقي أم لا ؟ .
هامش
( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 39 .
( 2 ) سورة الصف ، آية 2 ، 3 .
( 3 ) مسكويه ، م . س ، ص 40 .