* دلالة عقلية :
لئن كان وجود الخالق من الأمور البديهية المركوزة في فطرة الإنسان منذ نشأته الأولى ، إلا أن الصادق يرى أن يستخدم بعض البراهين النظرية العقلية كوسيلة للتعرف على صدق هذا الإحساس الفطري ، لإزالة ما يمكن أن يعرض للنفس من الشكوك والشبهات .
فحرص على تأصيل معرفة اللّه وتوحيده ، على أساس العلم والبصيرة والوعي ، فسلك في تعاليمه مسلك القرآن العقلي واستدلّ بالأدلّة الحاسمة ردّا لكلّ أنواع الإنكار أو الشك أو الظنّ .
ذلك لأن « العقل كالبصر ، والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج ، ولم يكن الشعاع ما لم يكن بصر » « 1 » واليقين بالمعرفة الناتجة عن العقل وأدواته أول نصير للعقيدة الإسلامية .
وهذا ما أشار إليه الإمام بقوله : « فبالعقل عرف العباد خالقهم وأنهم مخلوقون ، وأنه المدبر لهم وأنهم المدبرون ، وأنه الباقي وهم الفانون » « 2 » .
فقد اعتبر الصادق العقل أداة من أدوات المعرفة وأنّه مكلّف بالتعرّف على خالقه .
وعندما سئل ما الدليل على أنّ لك صانعا ؟ يخاطب عقل السائل ويوجّهه إلى معرفة الصانع عبر سبر الحالات الممكنة العقلية . وهذا ما نصه :
قال : « وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين : إما أكون صنعتها أنا ، أو صنعها غيري . فإن كنت صنعتها ، فلا أخلو من أحد معنيين ، إما أن أكون صنعتها وكانت موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها ، وإن كانت معدومة ، فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا ، فقد ثبت المعنى الثالث أن لي صانعا وهو رب العالمين » « 3 » .
فقد زخرت تعاليم الصادق بكثير من هذه الأدلّة القائمة على العقل والتفكير الموضوعي ، لإقامة الحجة على الناس .
وقد يشير إلى التغيير المستمر في هذا الكون الفسيح ، وبما أنّ « التغيّر لا ينفك عقلا عن معنى الحدوث » « 4 » ، يستدلّ الإمام به على وجود الخالق العظيم فيقول ما نصه :
هامش
( 1 ) محمد عز الدين توفيق ، دليل الأنفس بين القرآن والعلم الحديث ، دار السّلام ، القاهرة ، 1998 ، ص 28 نقلا عن الراغب الأصفهاني .
( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، كتاب العقل والجهل ، ح 34 .
( 3 ) عبد القادر محمود ، رائد السّنة والشيعة ، مرجع سابق ، ص 47 .
( 4 ) الحبنكة الميداني ، العقيدة الإسلامية وأسسها ، مرجع سابق ، ص 139 .