الموت لها عظمة وخشية لا تطاق ، وهناك طريق واحد لمقابلة هذه المصاعب والشدائد الكبرى التي كان عباد اللّه وأولياؤه الصالحون يخشونها بسبب ما لديهم من خبر عنها على وجه العموم ، وذلك هو العمل الصالح لوجه اللّه . لأن الشيء الوحيد الذي يغيث الإنسان هناك هو العمل الصالح .
« وآمركم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم » فهو عليه السّلام أمير معنوي وأمير مادي ، وأمير ظاهري وأمير باطني ، وأمير الأجسام وأمير الأرواح ؛ ويأمر الناس بترك زخارف الدنيا ، وعدم الاستغراق في شؤونها المادّية لأنها « الزائلة عنكم ، وإن لم تكونوا تحبّون تركها ، والمبلية لأجسادكم وإن أحببتم تجديدها » . فهذه الدنيا تبلي أجسادكم وتضعفكم وتعدم قواكم حتى وإن كنتم ترغبون في بقاء هذه القوى على الدوام .
ثم يقول عليه السّلام : « فإنّما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه وأفضوا إلى علم فكأنّما بلغوه ، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها ، فإن عزها وفخرها إلى انقطاع ، وإنّ زينتها ونعيمها إلى ارتجاع ، وإنّ ضراءها وبؤسها إلى نفاذ ، وكل مدّة منها إلى منتهى ، وكل حيّ فيها إلى بلى » .
كان أمير المؤمنين عليه السّلام يحيي الأرض بنفسه ويزرعها ، ويحفر البئر ، وقد تحدّث بهذا الكلام في وقت كان فيه حاكما على دولة تمتد حدودها من بلاد ما وراء النهر إلى البحر الأبيض المتوسط .
فهو عليه السّلام كان يدير دفة شؤون الدولة ويهتم بشؤون الحرب والسلم والسياسة وبيت المال وغيرها من نشاطات البناء الأخرى . وكلامه هذا لا يدعو فيه إلى عدم إعمار الدنيا ، وإنما يعني به أن لا يجعل الإنسان ذاته محورا لجميع الأعمال والنشاطات المادية ، ولا تنفقوا كل الطاقات لأجل أنفسكم ولا تحولوا الدنيا إلى جحيم من أجل نصيبكم من الحياة .
مكارم الأخلاق ورذائلها — صفحة 115
مساهمون: السيد الخامنئي
ص١١٥