والمقصود بإخلاص العبد : إمّا هو إخلاصه لعمله للّه فيصبح هو مخلصا ( بكسر اللام ) ، أو هو إخلاص نفسه للّه فيصبح مخلصا ( بالفتح ) ، ولا يبعد إرادة كلتا الدرجتين ، بل كلّ الدرجات بأنّ يقال : كلّ درجة من الإخلاص لو دامت أربعين صباحا أوجبت انفجار ينبوع الحكمة من قلبه على لسانه بما يناسب تلك الدرجة .
3 - روي أنّ رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يا رسول اللّه إنّا نعطي أموالنا التماس الذكر ، فهل لنا من أجر ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لا . قال : يا رسول اللّه ! إنّا نعطي التماس الأجر والذكر ، فهل لنا أجر ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إنّ اللّه - تعالى - لا يقبل إلّا من أخلص له ، ثمّ تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هذه الآية :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ . . . »
« 1 » .
4 - وهذه الرواية تجسّد مثلا رائعا عن إخلاص سيّد العارفين وأمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسّلام ، وهي ما يلي : « لمّا أدرك عمرو بن عبد ودّ لم يضربه ، فوقعوا في عليّ فردّ عنه حذيفة ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : مه يا حذيفة ، فإنّ عليّا سيذكر سبب وقفته ، ثمّ إنّه ضربه ، فلما جاء سأله النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن ذلك ، فقال : قد كان شتم أمّي ، وتفل في وجهي ، فخشيت أن أضربه لحظّ نفسي ، فتركته حتّى سكن ما بي ، ثمّ قتلته في اللّه » « 2 » .
ولا يبعد أن يكون هذا المستوى من الإخلاص هو العامل المهمّ ، أو أحد العوامل المهمّة في فرض رجحان ضربة عليّ عليه السّلام على أعمال أمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جميعا ، فقد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال لعليّ عليه السّلام : « . . . أبشر يا عليّ ، فلو وزن اليوم عملك بعمل أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله لرجح عملك بعملهم » « 3 » .
وورد بسند سنّي أنّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن
هامش
( 1 ) تفسير « نمونه » 19 / 365 ، والآية : 3 في السورة 39 ، الزمر .
( 2 ) البحار 41 / 50 - 51 .
( 3 ) المصدر السابق 20 / 205 .