بقتل سفيره مسلم بن عقيل ، وخذلان أهل الكوفة ، فقال للذين اتّبعوه طلبا للعافية :
« أما بعد ، فقد قتل مسلم ، وخذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه ذمام » .
فتفرّق عنه ذو الأطماع ، وبقي مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه « 1 » .
لقد تجنّب الإغراء والخداع في تلك الساعات الحرجة التي يتطلّب فيها إلى الناصر والصديق .
ومن ألوان تلك الصراحة أنّه جمع أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرّم ، فأحاطهم علما بشهادته في الغد ، وأنّ جميع من كان معه سيقتلون ، صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، وأمرهم بالتفرّق في سواد الليل ، إلّا أنّ تلك الكوكبة العظيمة أبت مفارقته ، وأصرّت على الشهادة بين يديه .
تدول الدول ، وتزول الممالك ، وهذه الأخلاق الرفيعة أحقّ بالبقاء من كلّ كائن حيّ ؛ لأنّها تمثّل القيم الكريمة التي لا كرامة للإنسان بدونها « 2 » .
9 - الشجاعة
ومن مكارم أخلاق أبي الأحرار الشجاعة ورباطة الجأش ، فلم يشاهد الناس مثله في جميع مراحل التاريخ في صلابة عزمه وبسالته ، وقدّم النّاس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الأرض .
وقد بهر أعداؤه بقوّة بأسه ، فإنّه لم ينهار أمام تلك الكوارث التي أحاطت به ، وكلّما زاد الموقف بلاء ومحنة ازداد انطلاقا وبشرا ، فإنّه بعد ما استشهد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش الأموي ، وكان عدده - فيما يقول الرواة - ثلاثين ألفا ،
هامش
( 1 ) أنساب الأشراف : 1 / 240 .
( 2 ) حياة الإمام الحسين بن عليّ عليهما السّلام : 3 / 119 - 120 .