استدعى ذلك الوجود جهة مقتضية له أشرف مما عليه المبدأ الأول ، حتى يكون عدم وجوده لعدم علته ، وإذا بطل التالي وامتنع سوقه على أقسامه بطل المقدم ولزم صدق الشرطية المذكورة المفيدة لقاعدة إمكان الأشرف .
ولا يلتبس عليك الأمر إذا لاح لك في كتب الفلسفة ، الفصل المعقود لتحقيق حدوث النفوس البشرية ، أو رأيت من الشفا ( للشيخ الرئيس ) قوله : « إن النفس الإنسانية لم تكن قائمة مفارقة للأبدان ، ثم حصلت في البدن » .
وقوله فيها أيضا : « فقد صح إذا أن الأنفس تحدث كما تحدث مادة بدنية صالحة لاستعمالها إياها » . فإن موضوع قضيتهم النفوس الناطقة المتعينة بهذه التعينات الجزئية ، التي بها تلمس وتشم وتسمع ، ولا شك في حدوثها بحدوث البدن .
وموضوع مسألتنا النفوس المتشخصة بنحو آخر من الوجود ، لما تقدم لك من أن للنفس الناطقة مع بساطتها نشآت جوهرية متفاوتة وأنحاء من الكون بين سابق ولاحق ، وليس لها كون محدود الهوية . واستعداد البدن شرط للنحو السافل من وجوداتها وليس شرطا لكمال هويتها وتمام وجودها ، وإلا لزالت بزواله واللازم باطل ، لما سيمر عليك من البراهين العقلية والآيات الكريمة والأحاديث المأثورة الدالة على وجودها بعد البدن .
وحري بمن أذعن بإبقاء النفوس الناطقة المتصرفة بالبدن واتصالها بالعالم الأعلى على ما هي عليه من دون تجدد وإيجاد ، أن يذعن بمسألتنا ، لأن حال الإعادة كحال الابتداء في صعوبة الدرك وسهولته ، فإذا صح أحدهما صح الآخر .
ويمكن الإشارة إلى هذه المقايسة بقوله تعالى :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
« 1 » وقوله تعالى :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
« 2 » وقوله :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
« 3 » .
ومن تتبع الكتب الأساسية لسير الحكمة يجدها مشبعة بما ذكرناه من أن للنفس الناطقة كينونة قبل البدن ووجودا في العالم الأعلى وهبوطا منه إلى عالم الطبيعة .
ويمكن الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى :
اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية 104 .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآيتان 29 - 30 .
( 3 ) سورة الروم ، الآية 27 .