يا هشام ! إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك .
يا هشام ! إنّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض .
يا هشام ! إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلّا بالمشقة ، فطلب بالمشقة أبقاهما .
يا هشام ! إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أنّ الدنيا طالبة ومطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته .
يا هشام ! من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فليتضرع إلى اللّه في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا .
يا هشام ! إن اللّه جلّ وعزّ حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
« 1 » حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها « 2 » ، أنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 8 .
( 2 ) الردى : الهلاك .