فلو حاولت إزاحة كلمة عن مكانها ، أو استبدال لفظ مسجوع باخر غير مسجوع ، لبدا لك كيف أن السجع في هذه الرائعة ، ضرورة فنيّة يقتضيها الطبع ، الذي يمزج اللفظ بالمعنى ، حتى لكأنّهما من معدن واحد ، فيبعث النثر شعرا له أوزانه وأنغامه ، وليس له تكلّفه واصطناعه .
وقد تميّزت نظرات الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم الاجتماعية ، بملاحظة نادرة غذّت خياله المبدع ، فإذا بها تتعاون مع تجاربه الكثيرة ، لتظهير المجتمع ، في لوحات لها من الحياة أكثر ممّا للأحياء ، فتعبّر عن واقعيّة صادقة ، لها افاق ترى ، وأبعاد لا ترى إلّا بالتأمّل الكثير .
فاستمع إليه ، كيف يصوّر العاقل ، ليعطي صورة ودرسا :
( . . . إذا أراد أن يتكلّم تدبّر ، فإن كان خيرا تكلّم فغنم ، وإن كان شرّا سكت فسلم . . . ) .
وكيف يفسّر الظواهر الاجتماعية ببعضها ، ليمنح فكرة وخبرة :
( لا فقر أشدّ من الجهل ، ولا مال أفضل من العقل ) .
وكيف ينبئ عن الغيب المجهول ، لينذر ويحذّر ، حتى تبحث العقول المذعورة عن ملجأ ، فيأتي توجيهه إلى القران ، كما يومئ النجم للتائهين :
( إذا التبست عليكم الأمور ، كقطع الليل المظلم ، فعليكم بالقران ) .
ويتسع أدب الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم للحقوق العامّة ، التي أكّد عليها في كلّ وصيّة صدرت منه إلى أحد ، وكلّ عهد عقده لوال ، ويظهر النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم في كلّ تأكيداته على الحقوق العامة ، جادّا يتدفّق بصور حارة ، تشفّ عمّا وراءها من إيمان عميق ، بضرورة إقامة مجتمع عادل تهيمن عليه إرادة
موسوعة الكلمة — صفحة 16
مساهمون: السيد حسن الحسيني الشيرازي
ص١٦