تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
طالما ألحّ الأخلاقيون المسلمون ، حتّى فقهاء العبادات - على هذه الفكرة ، كما أنّ القولة المتواترة بلا شك عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ليس لها من معنى غير هذا . وعليه ، فإنّ ما يصدق على التباس الأعمال الظّاهرة يصدق تماما على جهودنا الباطنة . فعند ما يغفل الإنسان عن أمر الشّرع ، ثمّ هو يحس تلقائيا أنّه مدفوع إلى أن يتطلب من نفسه تجردا عن المنافع الأنانية في هذه الدّنيا ، وحبّا للأقربين ، وكرما ، وإخلاصا للإنسانية ، - فيجب ألّا ينخدع بهذه المشاعر النّبيلة ، لأنّ هذا الاقتضاء الّذي نشعر به ، من رغبة في تحسين صفتنا ، ربما كان مفروضا علينا بتأثير نوع من النّداء الفطري ، أو بتذوقنا للكمال ، أو بمجرد الرّغبة في ممارسة قدراتنا الخلاقة ، أو لكي ننال لأنفسنا نوعا من التّطابق النّزيه في سلوكنا الظّاهري ، وبذلك نطمئن إلى أننا لن نتعثر أمام النّاس ، أو لأسباب أخرى أقل ، أو أكثر تسويغا . والنّيّة الّتي أصطحبها في أدائي لهذه المهمة هي الّتي تعطي لجهدي الباطن معنى ، وهي الّتي تطبعه بصفته النّوعية ، وتسمه بسمتها المميزة . إنّها عصبه ، وحياته ، وهي أشبه بروح الرّوح .

د - هل تكتفي النّيّة بنفسها

لقد عالجنا على التّوالي ثلاث حالات : في الحالة الأولى : كان العمل يحدث بلا نيّة - وهي حالة ( البطلان الأخلاقي ) . وفي الحالة الثّانية : كان العمل ، والنّيّة حاضرين ، ولكن يعتورهما بعض النّقص فإمّا أن تكون النّيّة سيئة - وهي حالة « اللاأخلاقية » ، وإمّا أن يكون العمل غير مطابق للنّيّة - وهي حالة « الانحراف » الّذي يحتمل الإدانة ، أو العفو .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 617 | محمد عبد الله دراز