ولكن من الغريب أنّ هذا التّشدد في حكم المسؤولية ، وهو الّذي لا يريد أن يستخرج أي عذر صحيح من مصاعب أحوالنا الجوانية - سوف يفسح المجال منذ الآن لقدر كبير من التّجاوز ، والعفو ، عندما يحدث إكراه مادي ، سواء أكان طارئا من الخارج ، كتهديد معتد ، أم من كياننا العضوي ذاته ، كضرورة الجوع .
ولهذا ، لا يعتبر من باب الخطأ ما يقع فيه مؤمن متعرض لتعذيب الكفار ، إذا ما وجد نفسه مضطرا إلى أن يكفر ، حتّى يتخلص من عدوانهم ، يقول تعالى :
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
« 1 » .
وذلك أيضا هو الشّأن حين تحمل ضرورة الجوع جائعا على أن يأكل طعاما محرما :
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 2 » .
وكذلك يعفى عن الدّعارة الشّائنة ، إذا أكره المرأة عليها مولى مستبد :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 3 »
والحقّ أنّ هذا التّرقق لا يبلغ حدّ العفو عن القتل ، والسّرقة ، وهتك العرض بالإكراه الخارجي ، فهذه جرائم لا تقبل العفو ، حتّى لو ارتكبت تحت التّهديد يموت مرتكبها . وليس لأحد حقّ في أن يستبيح حياة بريء لينقذ حياته ، وأن يسرق أمواله ، أو ينتهك حرمته ، حتّى لو اشترى امتناعه بدفع حياته .
هامش
( 1 ) النّحل : 106 .
( 2 ) المائدة : 3 .
( 3 ) النّور : 33 .