الآلاف المؤلفة من شواغل الحياة اليومية الّتي تصرفنا عن هذه الأمور العلوية أليست عذرا بالنسبة لنا ؟ .
إنّ هذه الحجّة سوف تكون أكثر قبولا إذا ما استشهدت بضعف سلطاننا الأخلاقي . وهل كانت العقائد الزّائفة ، والعادات السّيئة الموروثة سوى طبقات سميكة تغلف ، وتحجب بصائرنا ؟ . . . فمن أجل استباق هذا الاعتراض المزدوج أراد اللّه سبحانه أن يقوي أنوارنا الفطرية بأنوار الوحي المنزل :
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ
« 1 » .
والحقيقة أنّ اللّه سبحانه أوجب على نفسه أن يعلم النّاس قبل أن يحملهم مسئوليتهم ، لأنّه يرى من الظّلم تعذيب القرى الّتي تغفل عن واجباتها ، لأنّها لم تعرفها :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
« 2 » ،
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ
« 3 » .
ولكن إذا كان الأمر كذلك ، أعني إذا كان يكفي مجرد الغفلة الطّارئة ، سواء أكانت نقص انتباه ، أو استعصاء عادات ، لكي نعلن عدم مسؤولية أناس أسوياء بصورة كاملة ، وإذا كانت العدالة الإلهية قد التزمت بإيقاظهم أوّلا من سباتهم بوساطة تعليم إيجابي ، فما القول إذن في الضّمائر الّتي ما زالت غائبة أو محجوبة كلية بحوادث طبيعية ؟ . ألا يجدر بالأحرى أن ننتظر انتباهها ، أو يقظتها العادية ،
هامش
( 1 ) الأعراف : 172 - 173 .
( 2 ) الأنعام : 131 .
( 3 ) الشّعراء : 208 - 209 .