الشّرعي من نشاطنا .
وهنالك مقياس تستطيع الضّمائر الطّاهرة أن تلمح به الحدّ الأعلى ؛ الّذي يتحول عنده معنى كلّ فضيلة إلى نقيضها ؛ حين تلحق الضّرر بفضيلة أخرى .
بيد أنّ هذا الحدّ الأعلى ؛ الّذي يختلف تبعا لاستعداد كلّ فرد ؛ وتبعا للظروف الّتي يمر بها - لا يحدد ميدان الخير الأخلاقي إلّا على نحو جزئي ؛ وسلبي ؛ إذ لما كان الميدان رحبا عرف كلّ فرد فيه درجات مختلفة من الفضل ، والاستحقاق ؛ بحيث يستتبع النّقص في درجة ، أو في أخرى ؛ تارة تأنيبا قاسيا ؛ وأخرى عتبا رقيقا ، أو عتابا شديدا ؛ وثالثة لا يثير أدنى رد فعل في الضّمير .
أليس معنى هذا أنّ الفرد قد عرف ضمنا أنّ فكرة الخير يجب أن تتضمن قيمتين مختلفتين : حدا أدنى إلزاميا ؛ وإضافة أكثر إغراء بالثواب ؟ .
إنّ الضّمائر لا تخطئ في هذا ؛ ولكنها تخطئ عندما تريد أحيانا أن تأخذ الجانب الإلزامي على أنّه أدنى الدّرجات الممكنة ، وهو مقياس لا يجد فيه النّاس ما يبلغ رضاهم بصفة عامة .
أمّا أهل الصّلاح من النّاس فهو أكثر إلحاحا ؛ إنّه يقدر لنفسه بطريقة مبهمة - قدرا وسطا من الخير لا يستطيع أن يقيسه قياسا دقيقا ، فكيف نبلغ في الواقع تحديد هذا القدر المتوسط بالنسبة إلى كلّ واجب من واجباتنا ؟
ليس هناك أي مقياس عقلي ، وموضوعي يستطيع أن يقدمه العقل الإنساني .
فهل نركن إلى الضّمير الفردي ؟ . .
ليس هناك اتّفاق في هذا الصّدد ، فهل نحاول وضع حدّ اتفاقي ؟
إنّ هذا يعني اللجوء إلى التّحكم ، والاعتساف .
وهكذا نجدنا بحاجة ماسة إلى هذه التّحديدات .
دستور الأخلاق في القرآن — صفحة 190
مساهمون: محمد عبد الله دراز
ص١٩٠