وليس يخرج عن هذا السّياق تلك العظة البليغة الّتي وجهها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم إلى متخاصمين قبل أن يفصل بينهما . قال صلوات اللّه عليه فيما روي عن أمّ سلمة : « إنّما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إليّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنّما أقطع له قطعة من النّار » « 1 » .
هامش
- رجلا من الأنصار يقال له : طعمة بن أبيرق ، أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له :
قتادة بن النّعمان ، وكانت الدّرع في جراب فيه دقيق ، فجعل الدّقيق ينتثر من خرق في الجراب ، حتّى انته إلى الدّار ، وفيها أثر الدّقيق ، ثمّ خبأها عند رجل من اليهود يقال له : زيد بن السّمين ، فالتمست الدّرع عند طعمة فلم توجد عنده ، وحلف لهم : واللّه ما أخذها وما له به من علم ، فقال أصحاب الدّرع :
بلى واللّه قد أولج علينا فأخذها ، وطلبنا أثره حتّى دخل داره ، فرأينا أثر الدّقيق ، فلما أن حلف تركوه ، واتبعوا أثر الدّقيق حتّى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه ، فقال : دفعها إليّ طعمة بن أبيرق ، وشهد له أناس من اليهود على ذلك . فقالت بنو ظفر ، وهم قوم طعمة : انطلقوا بنا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فكلموه في ذلك ، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم ، وقالوا : إن لم تفعل هلك صاحبنا وأفتضح ، وبرئ اليهودي ، فهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يفعل ، وكان هواه معهم ، وأن يعاقب اليهودي ، حتّى أنزل اللّه تعالى الآيات . انته « المعرب » .
لا نوافق المؤلف قدّس سرّه ، والمعرب في هذا التّفسير ، أو التّأويل ، بل خلاصة أقوال علماء الإمامية : لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين ، وإنّه صلّى اللّه عليه وآله كأن لم يفعل ذلك ، وإلّا لم يرد النّهي عنه - طعمة بن أبيرق بن عمرو بن حارثة بن ظفر الأنصاري - بل ثبت في الرّواية أنّ قوم طعمة لما التمسوا من الرّسول صلّى اللّه عليه وآله أن يذب عن طعمه ، وأن يلحق السّرقة باليهودي توقف صلّى اللّه عليه وآله وانتظر الوحي فنزلت الآية ، والاستغفار هنا يراد به لأولئك الذين يذبون عن طعمه ، ويريدون أن يظهروا براءته عن السّرقة ، لكن تبين بعد ذلك عكس ما يتصورون ، وكذلك المراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ، ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقا .
انظر ، بحار الأنوار : 17 / 39 و : 22 / 74 .
( 1 ) انظر ، صحيح البخاري : 3 / 235 ، سنن الدّارقطني : 4 / 239 ح 126 و 127 ، مسند أحمد : 6 / 307 ، -