من أصلها ؛ كما قال في الحديث القدسي : إنّ عبادي يطلبون منّى شيئا لم اخلقه وهو الراحة في الدنيا ، ويدعون طلب ما خلقته وهو النعيم المقيم . وقال : انّى وضعت الراحة في الجنة والناس يطلبونها في الدنيا فمتى يجدونها . وقال النبي صلى اللّه عليه واله : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق قيل يا رسول اللّه : وما الذي لم يخلق ؟ قال : الراحة في الدنيا وفي الديوان
يا طالب الصفوفى الدنيا بلا كدر * طلبت معدومة فائيس من الظفر
تطلب الراحة في دار الفنا * خاب من يطلب شيئا لا يكون
وقال بعض الفضلاء :
طبعت على كدر وأنت تريدها * صفوا من الأقذار والأكدار
ومكلّفوا الأيام ضد طباعها * متطلّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما * تبنى البناء على شفير هار
وقد مرّ في الباب الأول في لئالى ذم الدنيا : كثير اخبار وقصص ملاحظتها تنفعك في المقام كثيرا .
ثم أقول : وممّا ينبغي التفكر والتدبر فيه : هو أن يتأمل فيما يستقبله عن قريب من عوالم الموت ، والقبر ، والعوالم البرزخ ، والحشر والنشر ، وتطاير الكتب ، وتجسّم الاعمال والعقايد ، والحساب ، والصّراط والميزان وفيما اعدّه اللّه للمتقين ، والمجرمين ، من الجنة والنار ، وأنواع نعيمها : واقسام عذابها ، والخلود فيهما ، كما تأتى تفاصيلها في الباب التاسع والعاشر فإنه قال يكفيكم في التفكّر ذكر الآخرة . ونقل من اخبارهما حديثا مرويّا عن أمير المؤمنين عليه السّلام : لينبّهك على أول يومك من ايّام آخرتك ليبعثك على التفكر فيها ، والتمهيد لها . قال إن ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من ايّام الآخرة ، مثّل له ماله وولده وعمله ، فيلتفت إلى ماله فيقول : واللّه إني كنت عليك حريصا شحيحا ، فما لي عندك ؟ فيقول خذ منّى كفنك ؛ قال : فيلتفت إلى ولده فيقول : واللّه انى كنت لكم محبّا ؛ وانى كنت عليكم محاميا فما ذا لي عندكم ؟ فيقولون : نؤدّيك إلى حفرتك ونواريك فيها . فيلتفت إلى عمله فيقول : واللّه انى كنت فيك لزاهدا وان كنت على لثقيلا فما لي عندك ؟ فيقول : انا قرينك في قبرك ، ويوم نشرك حتى أعرض أنا وأنت على ربّك