تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ويؤكّد ذلك ما في الأخبار الكثيرة من إنّ للقرآن ظهرا وبطنا وأنّ أدنى ما للامام أن يفتي على سبعة وجوه ، والتتبّع في الأخبار والاطّلاع على طريقة العترة الطاهرة صلوات اللّه عليهم في محاوراتهم مع الناس وأجوبة مسائلهم يكشف عن ذلك ، كيف لا ، وكلام الحكيم لا بدّ وأن يكون على وجه ينتفع به كافة الناس على قدر عقولهم ومراتب فهمهم وإدراكهم ، فالصراط الذي أمر اللّه تعالى باتّباعه بقوله :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ .
« 1 » وبالدعاء له في قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ .
« 2 » لا يراد منه الجسر المحسوس الممدود على متن جهنّم . والذي يمكن حمله عليه لا ينافي حمله على هذا أيضا ، فأيّ مانع من إرادة الجميع حتّى يتطابق العقل والنقل . ثم إنّك قد عرفت انّ الاعتدال الحقيقي في الفضائل متعذّر لا يمكن وجدانه ولا الثبات عليه ، فلا يحكم بحصول فضيلة لصاحبها من حيث إنها حقيقية ، بل لكونها قريبة إليها ، ولا يمكن في حقه ما هو أقرب منها فهي الفضيلة الإضافية ، ولها عرض وسطها الحقيقية التي لا عرض لها وطرفا افراطها وتفريطها الخارجان عنها من الفضيلة الإضافية ، وكلّما قربت إلى الحقيقيّة كانت أكمل . ثمّ أنّ الرذائل وإن كانت غير متناهية على ما ذكرنا إلّا أنه ليس لجميعها ولا لأغلبها أسماء معيّنة ، وليس على صاحب الصناعة حصرها وضبطها ، بل عليه بيان القواعد الكلّية ، والمعيار فيها أنّ بإزاء كلّ فضيلة رذيلتان من طرف الافراط والتفريط ، فأجناسها ثمانية . اثنان منها بإزاء الحكمة ، وهما الجربزة أو السفسطة في الافراط ، أعني استعمال الفكر فيما لا ينبغي والبله أو الجهل في التفريط ، أعني تعطيل القوّة الفكرية وترك استعمالها فيما ينبغي فإن حقيقة الحكمة هي العلم بحقائق الموجودات على ما هي عليه ، فيتوقّف
هامش
( 1 ) الأنعام : 153 . ( 2 ) الحمد : 6 .