Skip to main content

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — Page 379

Contributors:

P.379
وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب ، وسائر الخلق مشغولون به . ولذلك لما قيل لرابعة : ما تقولين في الجنة ؟ فقالت : الجار ثم الدار . فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة . وكل من لم يعرف اللّه في الدنيا فلا يراه في الآخرة ، وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة ، إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ، ولا يحصد أحد إلا ما زرع ، ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ، ولا يموت إلا على ما عاش عليه ، فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط ، إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به ؛ كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فإن ذلك منته لذته ، وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهي ، فمن لا يشتهي إلا لقاء اللّه تعالى فلا لذة له في غيره ، بل ربما يتأذى به . فإذا نعيم الجنة بقدر حب اللّه تعالى وحب اللّه تعالى بقدر معرفته ؛ فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان .
Commentary
ما وصفنا من إيثار لذة العلم والمعرفة والاطلاع على أسرار الربوبية على لذة المنكوح والمطعوم والمشروب وسائر الخلق مشغولون به ، وكذلك لما قيل لرابعة ) بنت إسماعيل العدوية قدس اللّه سرها ( ما تقولين في الجنة ؟ فقالت ) مستشهدة بالحديث المشهور : ( الجار ثم الدار ) رواه الخطيب في الجامع من حديث علي بزيادة : والرفيق قبل الطريق والزاد قبل الرحيل ، ورواه الطبراني من حديث رافع بن خديج وفيه زيادة أخرى في آخره ، ( فبينت أنه ليس في قلبها التفات إلى الجنة بل إلى رب الجنة ، وكل من لم يعرف اللّه في الدنيا فلا يراه في الآخرة ، وكل من لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في الآخرة ، إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ، ولا يحصد أحد إلا ما زرع ، ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ) ففي الخبر : « يبعث كل عبد على ما مات عليه » رواه عبد بن حميد ومسلم وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث جابر ، ورواه البغوي والطبراني والحاكم في الكنى من حديث زيد بن حارثة ، ورواه الدارقطني في الإفراد من حديث ابن عمر ، ورواه ابن حبان من حديث جابر أيضا بزيادة ، « المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه » وعند ابن ماجة من حديث أبي هريرة : « إنما يبعث الناس على نياتهم » ( ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هو الذي يتنعم به بعينه فقط إلا أنه ينقلب مشاهدة بكشف الغطاء فتتضاعف اللذة به كما تتضاعف لذة العاشق إذا استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته ، فإن ذلك منته لذته ، وإنما طيبة الجنة أن لكل أحد فيها ما يشتهي فمن لا يشتهي إلا لقاء اللّه تعالى فلا لذة له في غيره ، بل ربما يتأذى به فإذا نعيم الجنة بقدر حب اللّه تعالى ، وحب اللّه تعالى بقدر معرفته ، فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالإيمان ) فقد روي من حديث