تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
الحمد للّه الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه ، وأدب نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فأحسن تأديبه ، وزكى أوصافه وأخلاقه ثم اتخذه صفيه وحبيبه ، ووفق للاقتداء به من أراد تهذيبه ، وحرم عن التخلق بأخلاقه من أراد تخييبه ، وصلى اللّه على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلّم كثيرا . أما بعد : فإن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن وحركات الجوارح ثمرات الخواطر والأعمال نتيجة الأخلاق والآداب رشح المعارف وسرائر القلوب وهي مغارس
شرح
( الحمد للّه الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه وترتيبه ) أي جعل كل شيء في مرتبته وهو المعبر عنه بالإحسان أشار به إلى قوله تعالى : الذيخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[ الفرقان : 2 ] أي حده بحده الذي يوجد من حسن وقبح ونفع وضر وغيرهما حسبما اقتضت حكمته ، ( وأدب نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ) بأن أعطاه رياضة النفس وحلاه بأحسن الأخلاق . أخرج العسكري في الأمثال من طريق النسائي عن أبي عمارة عن علي رضي اللّه عنه قال : قدم بنو نهد بن زيد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أتيناك من غوراء تهامة وذكر خطبتهم وما أجابهم النبي . قال : فقلنا يا نبي اللّه نحن بنو أب واحد ونشأنا في بلد واحد وإنك لتكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره ، فقال : « إن اللّه عز وجل أدبني فأحسن تأديبي ونشأت في بني سعد بن بكر » . والسدي ضعيف . هذا : وفي أدب الإملاء لأبي سعيد بن السمعاني من حديث ابن مسعود رفعه : « إن اللّه أدبني فأحسن تأديبي ثم أمرني بمكارم الاخلاق » وسنده منقطع ، وفي الدلائل لثابت السرقسطي أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه ما رأيت أنعم منك فمن أدبك ؟ قال : « أدبني ربي ونشأت في بني سعد » . ( وزكى أوصافه ) الدالة على ذاته أي نماها ( وأخلاقه ) الباطنة أي طهرها بحيث صدرت عنها الأفعال الحسنة بسهولة ، ( ثم اتخذه صفيه ) أي مختاره من خلقه ( وحبيبه ) وخليله ( ووفق للاقتداء به ) أي اتباع طريقته ( من أراد تهذيبه ) أي هدايته وخلوصه من الردى ( وحرم التخلق بأخلاقه ) أي منع عنه ( من أراد ) أي سبق في إرادته الأزلية ( تخييبه ) أي تخسيره وإضلاله واكتفي عن جملة الصلاة بما تقدم له في أوله من ذكره في الفقرة الثانية بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم . ( أما بعد : فإن آداب الظواهر عنوان آداب البواطن ) عنوان كل شيء بالضم ما يستدل به عليه ويضمر ، والمعنى أن البواطن يستدل عليها بالظواهر فإن كانت جارية على وفق الاستقامة فالظواهر تتبعها ، ( وحركات الجوارح ) الظاهرة ( ثمرات الخواطر ) الباطنة إن حسنا فحسنا وإن سيئا فسيئا ( والأعمال نتيجة الاخلاق ) فإن الخلق بالضم عبارة عن هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 188 | مرتضى الزبيدي