وقال بعض الحكماء : الدّنيا ممر سالك لا مقرّ هالك ، جسر يعبر ولا يعمر . وقال عمر بن عبد العزيز وهو على المنبر : أيّها النّاس تفكروا لما ذا خلقتم فإنّ التفكر في هذا عبادة ، وامتثلوا ما أمر اللّه به عباده ، وألفتوا قلوبكم عن أسباب الشقاء إلى أسباب السعادة ، واعلموا أنّكم في نقص من أعماركم وكأنكم في زيادة ، لو رأيتم الأجل ومسيره لكرّه لكم الأمل وغروره . الزّهد بصحّة اليقين ، وصحّة اليقين بنور الدّين ، فمن صحّ يقينه زهد فيما يفنى ومن قوي دينه أيقن بالجزاء فلا تغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك فمدّة العمر قليلة ، وصحّة النّفس مستحيلة ، شعر ( المتقارب )
إذا ما انجلا الأمر فاحكم به
ولا تحكمن بما « 1 » يشتبه
وأنبه فؤادك عن رقدة
فإنّ الموفّق من ينتبه / 210 أ /
وان كنت لم انتبه بالذي
وعظت به فانتبه أنت به
وقال حكيم : اجعل بينك وبين كل محبوب من الدّنيا ترقّبا لزواله لئلا يفجأك فقده ، ولا تأنس بما لا بقاء له فما كان إلى زوال فالازدياد فيه نقصان حتى يستغرقه الفناء . وكيف يشير رائد العقل بإيثار القليل الفاني على الكثير الباقي . ومن أراد السّلامة فما بعد الاستقامة كرامة ، وهي سلوك الطريق المستقيم ، واتباع الدّين القويم ، قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
« 2 » كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار والانجزار « 3 » ، والدّنيا غرّت أقواما فعملوا فيها بغير الحقّ ففجأهم الموت فخلّفوا ما لهم لمن لا يحمدهم ، وقد خلّفنا بعدهم ، فينبغي لنا أن ننظر إلى الذي كرهنا منهم فنجتنبه وإلى الذي غبطناهم به فنستعلمه ، والغرة باب يحجب الفطن عن الصواب ، وإذا أردت أن تنظر إلى الدّنيا بعدك فانظر إليها بعد غيرك .
هامش
( 1 ) جاءت في نور عثمانية 3755 : ما .
( 2 ) سورة فصلت : آية ( 30 ) .
( 3 ) الانجزار : الموت ( اللسان : جزر ) .