بلا موت لا تساوي دانقا . ولا يستكمل الانسان حدّ الانسانيّة إلّا بالموت لأنّ حدّ الإنسان أنه حي ناطق مائت ، ويأتي إليه ملك فيقول : أبشر كلّما اندرست عظامك محيت آثامك ، ويؤيده قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « الموت كفارة لكل مسلم » « 1 » ، ذكره صاحب نزهة المجالس ، والدنيا على هذا وضعت والأيّام على مثله طبعت ، ومن كان متوقّعا لم يلف متوجّعا . ويقال : ربّما تطيب الغموم بالعموم .
ولا يخفى أن الموت المتعارف الذي هو مفارقة الرّوح البدن هو أحد الأسباب الموصلة للانسان إلى النّعيم الأبديّ ، وهو وإن كان في الظاهر فناء واضمحلالا فهو في الحقيقة ولادة ثانية ، وسبب انتقال من حال أوضع إلى حال / 201 ب / أرفع . وإنّ الانسان ما دام في الدّنيا لا ينفك عن مشاركة البهائم والسّباع لكونه محتاجا إلى ما يحتاج إليه ، ولا قوام له إلّا بالغذاء ، وعن مشاركة الأشجار والنبات لكونه متنفسا محتاجا إلى ما يحتاج إليه من المواد ، فالانسان ما لم يقتحم العقبة ويفكّ الرّقبة لا يعرى من الحاجات الإنسانية ، ولم يأمن من شياطين الإنس والجنّ ، وهو يجول على طلب الرّاحة لكن النّاس في طلبها ضربان ؛ ضرب عموا عن الآخرة وقالوا .
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا
« 2 » ، وفعلوا فعل من قال ذلك وإن لم يقولوا قولهم ، وطلبوا الرّاحة من حيث لا راحة وأنّهم طلبوا من الدنيا ما ليس في طبعها ولا موجودا فيها . قال أبو الطيب : شعر « 3 » ( البسيط )
أريد من زمني ذا أن يبلّغني
ما ليس يبلغه في نفسه الزمن
وضرب عرفوا الدنيا والآخرة وأنّ الدّنيا لهم فيها مستقر ومتاع إلى حين ، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان وعلموا أنّ فيها يستقر الانسان ويطمئن ، فرغبوا في الآخرة وزهدوا في الدّنيا فكان ميّتا بالإرادة حيّا بالطبيعة ، ومن أمات نفسه في الدّنيا فقد أحياها في الدارين . وكان معروف الكرخي « 4 » يقول : الموت باب من أبواب الجنّة وقد من اللّه به على الانسان ، فقال تعالى
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ
« 5 » وقدم ذكر
هامش
( 1 ) التذكرة 1 / 19 ؛ الفتح الكبير 3 / 259 ، ولم يرد الحديث في نزهة المجالس انظر ص 59 - 64 .
( 2 ) سورة الجاثية : آية ( 24 ) .
( 3 ) ديوان المتنبي ، تحقيق شكري فيصل ، ص 468 .
( 4 ) سبقت ترجمته .
( 5 ) سورة الملك : آية . ( 3 )