ربه وأراد به خيرا أسقمه حتّى يطهره ويصفيه بمنزلة الفضّة تلقى في كيرها فينفخ عليها حتى يزول خبثها وتصفو فضتها فتصلح للمعاملة بها . قال اللّه تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
« 1 » ، فيأخذ بالقليل حتى يطهر ويعفو عن الكثير حتى يصفو ، ومن علائم العفو نزول البلاء فيمحص بما نزل ويعفو عمّا بقي فشبّه بالبردة صفاء وطيبا وصار مثلها ، أي لم يبق عليه شيء . وهذا موافق لما جاءنا في حديث رواه علي رضي اللّه عنه :
« من ابتلى بذنب فعوقب عليه فالله أعدل من أن يثني [ عليه ] « 2 » عقوبته . وما عفى عنه ولم يعاقب عليه فالله أكرم من أن يعود في عفوه » « 3 » . وفي خبر آخر « من أصاب في الدّنيا ذنبا فعوقب به فالله أعدل من أن يثني عليه عقوبته ، ومن أذنب في الدّنيا فستر اللّه عليه وعفى عنه فالله أكرم / 192 ب / من أن يعود في شيء عفى عنه » « 4 » ، فأمّا المعاقب فقول اللّه تعالى
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
« 5 » ، هو اقتصاص كقوله هذا بذاك [ ما ابتليت البريّة وهي بريّة ] « 6 » ، شعر ( الطويل )
على قدر تقوى اللّه تقضى المآرب * ويأتي على قدر الذنوب المصائب
ثم قال تعالى
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
أي أن الذي لم يصبك به مصيبة فهو عفو . وقد يجوز أن يبقى بعد عفوه الكثير هناك شيء ، إلّا أن الكثير من اللّه لا يحصى عددا . وأن الذي قال
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
، هم الذين سترهم اللّه وستر عليهم فإذا دام هذا الستر لهم فالله أكرم من أن يهتك عبدا ستره أيّام الدّنيا .
وجاء في الحديث قال اللّه تعالى : « لأنا أكرم وأعظم عفوا من أن استر على عبد لي مسلم في الدّنيا ثمّ أفضحه بعد أن سترته فلا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني » ، وأخرج أحمد وغيره عن عليّ رضي اللّه عنه أنّه قال : « تلا « 7 »
هامش
( 1 ) سورة الشورى : آية ( 30 ) .
( 2 ) زيادة من نور عثمانية 3753 .
( 3 ) المستدرك ، 2 ( التفسير ) / 145 ؛ الفتح الكبير 3 / 161 .
( 4 ) المستدرك ، 2 ( التفسير ) / 145 ، تفسير القرآن العظيم 4 / 125 .
( 5 ) سورة الشوري : آية ( 30 ) .
( 6 ) زيادة من نور عثمانية 3755 .
( 7 ) جاءت في داماد إبراهيم 946 : قال .