من التّجارة فإنّها تورث لؤم الطّبع وفتور القلب وقصور الهمّة وسوء الأدب وتهيّج الطمع والدناءة لا محالة . وجاء في / 168 أ / الخبر « حاسبوا السوقية لا ذمة لهم » . وفي رواية « حاسبوا الباعة فإنّه لا ذمة لهم » .
ولأهل المروءة دفع ما يخادعهم به الأدنياء ويغابنهم به الاشحّاء ، وإذا استكفّ الدنيّ واستدفع البذيّ فقد صان عرضه وحمى نعمته . وجاء في الحديث « التّجار هم الفجّار إلا من برّ وصدق » « 1 » ، وقال مالك بن دينار : السوق مصلحة للمال مفسدة للدّين . قيل له : أليس قد أحل اللّه البيع . قال : بلي ، ولكنّهم يحدّثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون . وفي قوله تعالى
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
« 2 » أنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحل النّبي صلى اللّه عليه وسلم بيوعا وحرّم بيوعا فاللّام للعهد ، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده ، وإنّ دلّت على صحة البيع من أصله فإنّه عموم أريد به الخصوص ، ولم يتعيّن المراد إلا ببيان السنّة ، وأكثر الفسوق في أهل السوق . وجاء في الحديث : « يا معشر التجّار ان بيعكم هذا يشوبه الحلف فشوّبوه بالصدقة » « 3 » .
ونظر عمرو بن قيس « 4 » إلى أهل السّوق واشتغالهم بأمر الدنيا ، فقال :
ويحهم ما أغفلهم عمّا أعدّ لهم . وفي التاجر الاشتمال على كلّ دنيّة لا محالة .
وقال بعض الأبدال : شحّ الغني عقوبة الحرص ، والحرص عقوبة الطمع ، والطمع عقوبة طول الأمل ، وطول الأمل عقوبة الغفلة عن اللّه . وجاء في الحديث « من أشراط السّاعة أن يرفع العلم ويفيض المال ويظهر القلم وتكثر التجار » « 5 » ، وفي حديث آخر : « من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 6 » .
وقال بعض الحكماء « 7 » : الطمع رقّ مؤبّد وصلاح الدين في الورع ، من زهد
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة ( تجارات ) ص 726 ؛ المستدرك ( بيوع ) 2 / 6 - 7 .
( 2 ) سورة البقرة : آية ( 275 ) .
( 3 ) سنن ابن ماجة ( تجارات ) ص 725 - 726 .
( 4 ) هو أبو عبد الله عمرو بن قيس الملائي ، من كبار الكوفيين ، متعبد ، كان يبيع الملاء روى عنه الثوري ، واثنى عليه ابن حنبل ، وانتقل إلى بغداد وبها مات .
تاريخ بغداد 12 / 163 - 166 ؛ تهذيب التهذيب 8 / 92 - 93 .
( 5 ) المستدرك ( بيوع ) 2 / 7 ؛ جامع الأصول 1 / 364 - 365 .
( 6 ) سنن بن ماجة ( فتن ) ص 1315 - 1316 .
( 7 ) جاء في أسعد أفندي ، وقال بعض الحكماء .